مقالات
أخر الأخبار

لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب.. معادلات الأمن الجديدة في الشرق الأوسط: استراتيجيات التكيف وإدارة الفوضى

بقلم لواء د. أحمد زغلول مهران

المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية

يشهد مسرح العمليات في الشرق الأوسط إعادة تشكيل جذرية لمفاهيم الأمن القومي، حيث لم تعد الترسانة العسكرية وحدها الضامن للحصانة الوطنية. لقد انتقل الثقل الاستراتيجي إلى كفاءة الدول في “إدارة الأزمات”، وصياغة التفاهمات المعقدة، واستيعاب الطفرات التكنولوجية. يسلط هذا التحليل الضوء على خريطة التوترات في (غزة، السودان، ليبيا، سوريا، اليمن، العراق، ولبنان)، مستعرضاً الديناميكيات الإقليمية، والدور المحوري للدولة المصرية كركيزة للتوازن في هذا المحيط المضطرب.

أولاً: التحول الجوهري في عقيدة الأمن الإقليمي

تجاوز مفهوم الأمن القومي الإطار التقليدي لحماية الحدود الجغرافية، ليتمدد نحو مفهوم “الأمن الشامل” الذي يضم:

تماسك الجبهة الداخلية: وتحصينها ضد الاختراق.

الأمن الحيوي: ويشمل الغذاء، الطاقة، وسلامة الملاحة البحرية.

الأمن الرقمي: حماية الفضاء السيبراني والبنية المعلوماتية.

الدبلوماسية الإنسانية: القدرة على احتواء الكوارث الإنسانية قبل تحولها لأزمات سياسية.

لقد أثبت الواقع أن أي شرارة محلية تمتلك قابلية التحول السريع إلى حريق إقليمي، مما يفرض ضرورة تبني استراتيجيات دقيقة للتفكيك والاحتواء.

ثانياً: غزة.. هندسة “اليوم التالي” بين الإنساني والسياسي

نموذج معبر رفح

يمثل تشغيل المعبر دراسة حالة لكيفية الموازنة بين الضرورات؛ حيث سمح بنقل الجرحى، تدفق الإغاثة، والعودة المتدرجة للأهالي. هذا التشغيل يعكس ترتيبات أمنية-سياسية جديدة تعتمد على:

إدارة فلسطينية محلية.

رقابة أوروبية ضامنة.

تنسيق مع لجنة السلام الدولية.

تحجيم “حماس”

يشير المشهد إلى تحول القطاع من ساحة للمواجهة العسكرية المفتوحة إلى مرحلة “إدارة التبعات”، حيث يتقلص دور حركة حماس تدريجياً من السلطة المطلقة إلى فاعل محدود الصلاحيات، مع فصل المسار الإنساني عن التعقيدات السياسية.

ثالثاً: السودان.. اختبار استعادة الدولة

تُعد الدعوات لعودة الحياة إلى الخرطوم محاولة استراتيجية لترميم “هيبة الدولة المركزية” واختباراً لمدى استقرار العاصمة. إلا أن المشهد السوداني يظل مصدراً للقلق الإقليمي عبر ثلاثة مسارات:

موجات النزوح: وتأثيرها الديموغي والاقتصادي على الجوار.

فوضى التسليح: وخطر تسرب السلاح للجماعات غير النظامية.

أمن البحر الأحمر: تهديد الممرات الملاحية الحيوية.

رابعاً: ليبيا.. براغماتية التسويات المرحلية

يُقرأ اللقاء بين الدبيبة وحفتر كمحاولة لـ “توطين الحل”، وقطع الطريق على التدخلات الدولية التي قد تعمق الأزمة. ورغم أن ليبيا لم تصل بعد للتسوية النهائية، إلا أن الاتجاه الحالي يميل نحو “تسويات جزئية” تمنع الانهيار الكامل وتحافظ على الحد الأدنى من التماسك المؤسسي.

خامساً: سوريا.. فسيفساء النفوذ وتجميد الصراع

تحولت سوريا إلى مناطق نفوذ بحكم الأمر الواقع، تحكمها تفاهمات ضمنية:

الجنوب (الدروز): إدارة ذاتية حذرة للأمن.

الشمال الشرقي (قسد): طموح للحكم الذاتي يصطدم بالحسابات الدولية.

المآل المستقبلي: تثبيت الخرائط الحالية، وتأجيل الحل السياسي الشامل لصالح دمج تدريجي وبطيء للمكونات المختلفة.

سادساً: لبنان.. الرقص على حافة الهاوية

يعيش لبنان حالة من “الردع الهش”، حيث يحرص حزب الله على معادلة دقيقة تضمن نفوذه دون الانزلاق لحرب شاملة تدرك جميع الأطراف كلفتها الباهظة، في ظل بنية دولة تعاني من التآكل المؤسسي.

سابعاً: الفواعل الإقليمية والتموضع المصري

1. إيران:

تمارس سياسة “التصعيد المنضبط”؛ فهي تبقي قنوات خلفية مع واشنطن مفتوحة لمنع الانفجار الكبير، بينما تستخدم أذرعها في المنطقة كأوراق ضغط، مما يثير قلق الخليج والجوار العربي.

2. اليمن:

تحول إلى نقطة اختناق استراتيجي لأمن البحر الأحمر. وبينما تسعى الأمم المتحدة والتحالف العربي للتهدئة، يظل اليمن “صاعق تفجير” محتمل قد تستخدمه قوى إقليمية (إيران) لتوسيع رقعة الصراع.

3. العراق:

يمارس “دبلوماسية التوازن”، محاولاً النأي بنفسه عن الصدام الأمريكي-الإيراني، بل ويسعى للعب دور الوسيط لتهدئة التوترات الإقليمية رغم الضغوط الداخلية من الفصائل المسلحة.

4. دول الخليج:

تتبنى استراتيجية مزدوجة: تعزيز الردع الدفاعي والشراكة مع واشنطن من جهة، وتجنب الاحتكاك المباشر مع طهران من جهة أخرى لضمان أمن الطاقة وتدفق الاستثمارات.

5. الدور المصري (رمانة الميزان):

تتمحور الاستراتيجية المصرية حول “ضبط الإيقاع الإقليمي” عبر:

حماية الممرات: تأمين صارم للحدود، سيناء، وقناة السويس.

الوساطة الفاعلة: الانخراط المباشر في تبريد الجبهات (غزة، ليبيا، السودان).

العمق الاستراتيجي: يُعد الاستقرار المصري حجر الزاوية للأمن القومي العربي، والضمانة لمنع الفوضى الشاملة في الإقليم.

ثامناً: الذكاء الاصطناعي.. الجبهة الخامسة

لم يعد الذكاء الاصطناعي رفاهية تقنية، بل أداة حسم في إدارة الصراع عبر تحليل المعلومات، الحرب السيبرانية، وتوجيه الرأي العام. وهو سلاح ذو حدين؛ فغياب التنظيم الإقليمي له قد يحوله من أداة للاستقرار إلى معول هدم.

تاسعاً: الخلاصة والتوصيات الاستراتيجية

المنطقة مقبلة على مرحلة طويلة من “إدارة التوتر” لا حله جذرياً. النجاة في هذه البيئة تتطلب:

خارطة طريق للمستقبل:

تحصين الدولة الوطنية: باعتبارها خط الدفاع الأول ضد الفوضى.

الفصل الإجرائي: عزل الملفات الإنسانية عن التجاذبات السياسية.

أقلمة الحلول: منع تدويل الأزمات المحلية وحصرها في النطاق الإقليمي.

التكامل الأمني: بناء منظومة أمنية عربية متدرجة.

التوطين التكنولوجي: امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز الأمن القومي.

الدعم الاستراتيجي لمصر: تعزيز دور القاهرة كقطب للاستقرار الإقليمي.

ختاماً:

إن الأمن القومي في عصرنا الراهن هو نتاج “الحكمة السياسية” والقدرة على المناورة وبناء التحالفات، وليس مجرد انعكاس للقوة العسكرية. وفي هذا السياق، تبقى مصر والدول المحورية صمام الأمان الوحيد لمستقبل الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *