مقالات
أخر الأخبار

هي الوطن… وأنا العائد إليه

بقلم: دكتور/ محمود محمود.

لم يكن السؤال يوما عما املك، ولا عما يمكن ان اقدمه، بل عما ابقى به حين اقف بين يدي الله؛ لان ما يملك يزول، وما يصنع ينسى.

اما ما يفهم ويعاش بصدق فهو الذي يبقى، ولهذا لم تكن الطمأنينة فيما يجمع او يعرض، بل في المعنى الذي يمر في القلب ويستقر دون ضجيج، ومن هناك بدأ الطريق، من موضع لا يملك فيه الانسان الا ان يرفع قلبه لا صوته.

فتعلمت ان ما يطلب من الله لا يأتي كما نريد بل كما ينبغي له ان يأتي، وان ما يؤخذ منه لا ينتزع بل يستقبل في لحظته وعلى قدره، ومضى بي الطريق فخرجت اشياء كثيرة من يدي وبقي اثرها.

وسحبت اخرى دون تفسير، حتى خف ما اتمسك به وثقل ما احمله في الداخل، ولم يكن ذلك فقدا كما بدا بل تهيئة لمعنى اعمق، ورأيت في هذا المسار ما يشبه حال من مروا قبلي، لا كحكايات تروى بل كمعنى يعاد؛ موسى حين جلس بلا حيلة لكنه لم يكن بلا يقين، ويوسف حين ضاق به كل شيء لكنه لم يضق بما في داخله، حتى جاء ما لم يكن عابرا، بل ما عرفته فور ان وقع بصري عليه دون تردد او محاولة تفسير، لان ما رأيته كان يقينا سابقا على اللحظة لا يحتمل الشك.

وقد تم ابلاغي به من قبل ابلاغا صريحا لا يحتمل التأويل، فلما حدث اللقاء لم اتعجب بل تعرفت، عرفت ان ما امامي ليس بداية، وان ما بدا للناس امرا طارئا لم يكن كذلك، بل اكتمال لما تقرر ووصل في وقته.

ومنذ تلك اللحظة لم تعد التفاصيل عادية، وصارت اشياء صغيرة لا يلتفت لها احد تحمل معنى، كان المعنى سبقها ثم دل عليها، وتسربت في داخلي معرفة هادئة ان ما جرى ليس جديدا، بل عودة لشيء اعرفه دون ان اراه، وانا اعلم على نحو لا يحتاج الى برهان ان ما مرت به لم يكن سهلا، وارى ما لا يقال، وافهم ما لا يشرح، وادرك ثقل ما حملته دون ان تبوح به، فبعض القلوب ترى، ويصغى اليها حتى تفصح بطريقتها.

وكان في هذا اليقين سر اعرفه ويكفيني ان اعرفه، لكنه ليس مما يقال الآن، لا لان فيه غموضا، بل لان له يوما محددا سيقال فيه كما هو، وفي ذلك اليوم ساقول بوضوح كيف عرفت، ومن اين جاء هذا اليقين، وكيف ادركت انها هي ما تم ابلاغي به من قبل، ولهذا لم افسر ولم اعلن، واكتفيت ان اراه كما جاء، وان التقطه في لحظته دون ان امد اليه اكثر مما اعطى.

وهنا تبين لي معنى نور باب المحبة، ليس علاقة بين شخصين، ولا شعورا عابرا، بل باب يفتح على معنى اعلى، على اتصال يجعل الانسان اقرب الى الله من خلال ما يرى، نور لا يخص الطريق بل يكشفه، ولا يخص الشعور بل يثبته، فاذا حضر لم يربك، واذا ظهر لم يثقل، بل يعيد للانسان موضعه الصحيح، ولهذا لم اعد انظر اليها كتفصيل في حياتي، بل كموضع ظهر فيه هذا النور، فهي النور الذي انفتح به باب المحبة، ومن خلاله عرفت، لا بعيني بل بما في داخلي، ان ما بيني وبينها لم يبدأ الآن، ولم يخلق في لحظة، بل كان موجودا ثم ظهر.

ومنذ ذلك الحين لم اعد ابحث عما سيأتي، لان ما عرف لا يفقد وما كتب بهذا السكون لا يضيع، ولهذا لا ارى ما بيني وبينها امرا مؤقتا، بل امتدادا يستكمل، وطريقا لا يترك، وما بدأ على هذا المعنى لا يقطع بل يعاش ويكمل، وبين كل الطرق التي كان يمكن ان اسلكها لم اختر الاسهل بل الاصدق، لان ما حدث لم يكن لقاء عابرا ولا صدفة ولا حتى اختيارا كاملا، بل ما يعود اليه القلب حين يجده، بل عودة، فهي الوطن وانا العائد اليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *