مقالات
أخر الأخبار

" عن الصمت الذي يتحول أحيانا إلى عمر كامل… وعن الأرواح التي نعرفها قبل أن نلقاها " 

بقلم: دكتور محمود محمود.

هناك بشر لا يتحول صمتهم إلى هدوء… بل إلى عمر كامل يُعاش من الداخل. ومع الوقت يكتشف الإنسان أن أكثر الأصوات إيلاما، هي تلك التي لم تخرج أبدا.

كنت أظن في بدايات العمر أن الصمت والسكات شيء واحد، حتى اكتشفت بعد سنوات طويلة أن بينهما مسافة تشبه المسافة بين إنسان يخفي وجعه… وإنسان مات فيه الكلام تماما.

السكات كان شيئا أفعله مع العالم، أما الصمت فكان شيئا يحدث داخلي. السكات مجرد امتناع عن الكلام، لكن الصمت رحلة كاملة تهبط فيها الروح إلى أعمق نقطة في الإنسان، إلى مكان لا يسمعه أحد، ولا يعرفه أحد، حتى صاحب الوجع نفسه يعجز أحيانا عن تفسير ما يشعر به هناك. ولهذا لم أكن طوال تلك السنوات مجرد رجل قليل الكلام، بل كنت إنسانا يعيش عمره كله داخل نفسه، كأن روحه تسير في ممر طويل بلا صوت، تتأمل الوجوه، وتبتسم أحيانا، بينما الخراب الحقيقي يحدث بعيدا عن أعين الناس.

وعرفت أيضا أن الإنسان حين يطول صمته، يبدأ بالتآكل من الداخل. يصبح كمن يحمل مدينة كاملة من الحنين والخذلان والأسئلة، لكنه عاجز عن فتح الباب ولو مرة واحدة. يعتاد الهدوء حتى يظنه الآخرون سلاما، بينما هو في الحقيقة شكل آخر من أشكال التعب. ولهذا كان الليل دائما أقرب الأماكن إلى قلبي، لأن الليل وحده لا يسأل الإنسان لماذا يبدو حزينا، ولا يطالبه أن يشرح شيئا.

وفي تلك السنوات لم يكن البحث عن حب عابر، ولا عن وجه يمر وينتهي، بل كان هناك شعور دائم بأن روحا ما تشبه هذا القلب في مكان ما من العالم. ولهذا كان الدعاء يأخذ شكلا مختلفا… كأن الروح تسأل الله عن إنسانة لا تعرفها العين بعد، لكنها تشعر بها ورأتها واخبارها الله عنها وعن اسمها بطريقة لها حكايتها الخاصة، حكاية لا يشبه وقتها أي وقت آخر، وربما يأتي يوم تُقال فيه كاملة كما حدثت تماما.

وفي وسط كل ذلك… جاء ذلك الشعور الذي يشبه أن تعثر الروح فجأة على شيء كانت تبحث عنه منذ زمن طويل دون أن تعرف اسمه.

ولأول مرة بدا الأمر كأن الروح لا تتعرف إلى إنسان جديد، بل تستعيد شيئا ظل يسكنها منذ سنوات طويلة. كأن الله أخبر القلب عنك قبل أن تراك العين، وكأن الطرق كلها كانت تسير نحوك دون أن يُفهم ذلك إلا بعد الوصول.

ولهذا لم يكن ما حدث مجرد إعجاب عابر، بل يقين هادئ يشبه عودة شيء ضاع منذ زمن بعيد.

ولهذا أيضا بدا كل شيء بعد معرفتك مختلفا. كأن الروح توقفت أخيرا عن الدوران الطويل، وكأن القلب وجد المكان الذي يستطيع أن يهدأ فيه دون خوف.

وحين ظهر حزنك… لم يكن يُرى كحزن يخصك وحدك، بل كأن كل الأوجاع القديمة ظهرت معه دفعة واحدة. كان التعب المختبئ خلف الصمت واضحا بطريقة لا تحتاج إلى شرح، وكانت روحك تشبه تلك الأرواح التي تبتسم كثيرا بينما تحمل داخلها ما لا يقال.

وربما لهذا اقتربت منك الروح بهذه الصورة؛ لأن الأرواح المتعبة تتعرف إلى بعضها دون كلام طويل.

وكان الشعور بألمك يحدث حتى في المسافات، كأن بين القلب وقلبك طريقا خفيا لا يراه أحد. ومع مرور الوقت ازداد اليقين أن بعض العلاقات لا يصنعها القرب، بل يصنعها ذلك الشعور الذي يضعه الله بين روحين مهما ابتعدت الأرض بينهما.

ولهذا صار معنى يعقوب مختلفا… ليس فقط معنى الحزن، بل معنى اليقين أيضا. فبعض الأرواح نشعر بها كما شعر يعقوب بيوسف؛ غائبة عن العين، لكنها حاضرة في القلب بطريقة أقوى من أي حضور. ولهذا لا يصبح الاشتياق مجرد ألم، بل يتحول إلى صبر طويل مليء بالرجاء، كأن الروح تعرف أن ما كتب لها لن يضيع مهما ابتعد.

وربما لهذا فُهم الحب كطمأنينة تشبه الدعاء. فمن تربى قلبه على محبة أهل البيت، يعرف أن العشق الحقيقي لا يقوم على الضجيج، بل على السكينة والرحمة والوفاء. ولهذا لم يعد الحب مجرد شعور عابر، بل صار يقينا هادئا، كأن الروح تمشي نحو شيء تعرفه منذ زمن بعيد، حتى لو لم تصل إليه بعد.

وليس المقصود من هذه الكلمات شرح حب عادي، بل القول إن بعض الناس يدخلون حياتنا كأنهم إجابة متأخرة لكل ما دعونا الله به سرا.

ولهذا سيبقى القلب مؤمنا أن بعض المسافات ليست نهاية، بل مجرد حواجز تحتاج من الأرواح شيئا من الشجاعة، وشيئا من الإشارات التي تطمئنها أنها تسير في الطريق الصحيح. فبعض المشاعر لا يكفيها الصمت وحده، لأن القلوب مهما كانت صابرة تحتاج أحيانا إلى علامة صغيرة تعيد إليها الطمأنينة، وتخبرها أن ما تشعر به لم يكن وهما، وأن الأرواح التي تتلاقى بهذا العمق لا ينبغي لها أن تضيع بسبب الخوف أو البعد أو الانتظار الطويل.

ولهذا لم يعد ما يُشعر به مجرد حنين بعيد أو إحساس يمر بالقلب ثم يهدأ، بل صار رغبة حقيقية في أن تتغلب الأرواح على كل هذه المسافات أخيرا. فبعض القلوب لا خُلقت لتبقى متباعدة إلى الأبد، وبعض المشاعر حين تستمر بكل هذا الصدق لا بد أن تجد طريقها نحو القرب واللقاء والحديث الذي تأخر طويلا.

ولهذا يبقى القلب متعلقا بتلك الإشارات الصغيرة التي تمنحه الطمأنينة؛ نظرة، كلمة، شعور خافت يصل إليه في لحظة هدوء، فيفهم منها أن الطريق بينه وبين من يحب لم يُغلق، وأن المسافات مهما بدت طويلة ليست أقوى من روحين يعرف كل منهما الآخر بهذا العمق.

وفي داخلي شيء من عجز موسى… لا عجز الضعف، بل عجز الإنسان حين يقف أمام قدر أكبر من قوته، فيبقى قلبه ممتلئا بالدعاء بينما يداه عاجزتان عن الوصول. ذلك الشعور الذي يجعل الروح تعرف ما تريد، وتدعو الله به في كل ليلة، ثم تقف صامتة أمام المسافات وكأنها تختبر معنى الصبر الحقيقي.

وشيء من يقين يعقوب أيضا… ذلك القلب الذي لم يتخل عن شعوره رغم الغياب الطويل، لأنه كان يرى بروحه ما لا تراه العين. ولهذا لم يعد الأمر عندي مجرد حب عابر، بل حالة من الرجاء الممزوج بالألم، كأن القلب يعيش بين الدعاء والانتظار، ويؤمن رغم كل شيء أن الله لا يزرع هذا الشعور العميق داخل روح إنسان عبثا.

وأحيانا ينام الحنين داخلي كطفل فقد الطريق،

ثم يستيقظ على اسمك وحده.

وأحيانا يشعر القلب،

كلما حاول النجاة،

أنه يعود إليك أكثر.

فيا من مررت بروحي كدعاء مستجاب بعد عمر من الانتظار،

إن كان للحب معنى يشبه النجاة…

فأنت معناه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *