الدكتور نادر الصيرفي: العمومية والتجريد غائبان عن مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين

رؤية دستورية في عدم دستورية مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين “غير الموحد”
إن الوظيفة الأسمى للدستور هي إقامة توازن بين الخصوصية العقائدية وبين وحدة الكيان القانوني للدولة. وإذا كانت المادة الثالثة من الدستور قد منحت شرائع المصريين من المسيحيين واليهود سلطة مرجعية في أحوالهم الشخصية، فإن هذه المرجعية لا تعني بحال من الأحوال تفتيت القاعدة القانونية أو الخروج بها عن سياج الدستور العام.
أولاً: تفسير المحكمة الدستورية لمصطلح “مبادئ الشريعة الإسلامية”
لقد أرست المحكمة الدستورية العليا في قضائها المتواتر (وعلى رأسها الحكم الصادر في الدعوى رقم 181 لسنة 19 قضائية “دستورية” – بجلسة 4 مارس 2000) فلفسة دقيقة لتفسير “المبادئ”.
فالمحكمة لم تعتبر كل حكم شرعي “مبدأً” بالمعنى الدستوري، بل قررت أن القيد الذي فرضه الدستور على المشرع يقتصر على “الأحكام قطعية الثبوت والدلالة”. وهي تلك الأحكام التي لا يجوز الاجتهاد فيها، وتمثل الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان. أما الأحكام الظنية التي تقبل التأويل والاجتهاد، فإن المشرع يملك فيها سلطة تقديرية واسعة لتبني ما يراه محققاً للمصلحة العامة، بشرط عدم مصادمة أصل كلي من أصول الشريعة.
وهذا التأصيل يعني أن “المبدأ الدستوري” هو الجوهر الجامع لا التفاصيل المتفرعة.
ثانياً: التفسير المقترح لمصطلح “مبادئ الشريعة المسيحية” في المادة الثالثة
بالقياس على التفسير السابق، واستصحاباً لمنطق الوحدة الوطنية والدستورية، يجب أن نُفسر “مبادئ الشريعة المسيحية” باعتبارها:
الأصول الكلية المشتركة: وهي القواعد التي لا تختلف عليها الطوائف المسيحية (مثل سر الزواج، ووحدانية الزوجة، والوصايا الأخلاقية الإنجيلية).
الجوهر لا الشكل: المبادئ هي القواعد المجردة التي تمنح النظام القانوني هويته المسيحية، وليست اللوائح الإدارية أو التفسيرات الطائفية المتغيرة التي استُحدثت بمرور الزمن نتيجة ظروف تاريخية معينة.
المعيار الرقابي: هي “المسطرة” التي يقيس بها القاضي الدستوري مدى ملاءمة القانون للعقيدة، مما يستوجب أن تكون هذه المسطرة واحدة، ثابتة، وجامعة.
ثالثاً: عدم دستورية مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين
إن مشروع القانون المطروح حالياً، والذي يُكرس “الاختلاف الطائفي” داخل ثناياه، يقع في حومة المخالفة
الدستورية للأسباب الآتية:
مخالفة القيد الزمني والموضوعي:
استناداً لحكم الدستورية (181 لسنة 19 ق)، فإن أي تشريع يصدر بعد التعديل الدستوري يجب أن يُرد إلى المبادئ كأصل. فإذا جاء المشروع بغير قواعد موحدة، فإنه لا يُرد إلى “مبادئ الشريعة” (بالمعنى الكلي الجامع)، بل يُرد إلى “اختلافات المذاهب”، مما يجعله فاقداً للمرجعية الدستورية الصحيحة.
التصادم مع مبدأ المساواة:
الدستور يُلزم المشرع بمراعاة الضوابط الأخرى، وأهمها المساواة (المادة 53). فأن يطبق القانون حكماً على مسيحي ويحرم منه مسيحياً آخر في نفس الدولة وبذات القانون بناءً على “الطائفة”، هو تمييز تحكمي لا يستند إلى مبرر موضوعي، خاصة وأن الدستور استخدم لفظ “مبادئ الشريعة المسيحية” بصيغة الجمع الشمولية ولم يقل “شرائع الطوائف”.
رابعاً: هل يتسم هذا المشروع بالعمومية والتجريد؟
الإجابة القاطعة هي “لا”.
إن مشروع القانون “غير الموحد” يفتقد لأهم خصائص القاعدة القانونية، وهي العمومية والتجريد:
المقصود بالعمومية والتجريد:
التجريد: أن تُصاغ القاعدة القانونية دون النظر إلى شخص بعينه أو طائفة بذاتها، بل توضع لشروط وصفات مجردة.
العمومية: أن تطبق القاعدة على كل من تتوافر فيهم هذه الصفات في أي وقت.
انعدام الخصيصة في المشروع:
عندما يتضمن القانون نصوصاً تقول “يُطبق الحكم (أ) على أبناء الطائفة (س) والحكم (ب) على أبناء الطائفة (ص)”، فإننا هنا لسنا بصدد “قانون”، بل نحن بصدد “تجميع إداري لشرائع فئوية”. القانون هنا يخاطب “الاسم الطائفي” لا “الصفة القانونية”، مما يجعله ينحدر لمرتبة القرار الإداري الجماعي، ويفقد هيبته كتشريع عام صادر عن سلطة الدولة السيادية.
خامساً: المقترحات – نحو توحيد القواعد الموضوعية
إن الخروج من مأزق عدم الدستورية يتطلب شجاعة تشريعية لتوحيد القواعد الموضوعية في مشروع القانون.
كيف يتم ذلك؟
استخلاص “المشترك الدستوري”: يجب على المشرع صياغة أحكام الأحوال الشخصية بناءً على المبادئ التي اتفقت عليها الكنائس (مثل إقرار بطلان الزواج لعلل محددة، وتوحيد أسباب التطليق في “الزنا الحكمي” أو “الفرقة الطويلة” كحلول واقعية تفرضها المبادئ المسيحية العامة).
دمج النصوص: بدلاً من تخصيص باب لكل طائفة، يُصاغ نص واحد ينظم المسألة (كالطلاق مثلاً) ويضع ضوابط عامة تنطبق على الجميع، مع ترك التفاصيل الإجرائية الصرفة للائحة التنفيذية أو للمؤسسة الدينية في حدود لا تمس جوهر الحق.
تفعيل دور “المواطنة التشريعية”: يجب أن يشعر المواطن المسيحي أنه يخضع لقانون “الدولة المصرية” المستمد من “مبادئ دينه”، وليس لقانون “طائفته” الذي يعزله عن شركائه في العقيدة والوطن.
خاتمة
إن إصدار قانون “موحد حقيقي” هو الضمانة الوحيدة لتحصينه من الطعن بعدم الدستورية. فالمشرع الذي يقرأ حكم المحكمة الدستورية في الدعوى 181 لسنة 19 ق يدرك تماماً أن “المعيار القياسي” الذي وضعه الدستور لا يقبل التجزئة، وأن الوحدة التشريعية هي مرآة الوحدة الوطنية.



