مقالات
أخر الأخبار

ربما كان أثقل ما يحمله الإنسان في آخر عمره... ليس ما عاشه، بل الحياة التي بقيت تسكنه دون أن يعيشها.

بقلم: المخرج محمود محمود.

أبدأ من سؤال واحد ظل يطاردني سنوات طويلة: هل يمكن للإنسان أن يرضى بكل ما قسمه الله له، ويبقى في قلبه شيء واحد لم يرضخ للزمن؟ اعتدنا أن نظن أن الرضا نهاية الأمنيات، وأن المؤمن كلما ازداد يقينا قل اشتياقه، حتى كأن الإيمان يقتضي أن يموت القلب قبل أن يموت الجسد. غير أن الحياة لا تشهد بذلك، ولا الوجوه التي عبرت بها السنون.

فأكثر الناس رضا ليسوا أولئك الذين نالوا كل ما تمنوه، بل الذين حملوا في أعماقهم أمنية لم تتحقق، ولم يحولوها إلى خصومة مع الله، ولا إلى مرارة مع الحياة، بل تركوها ساكنة في مكان لا تصل إليه الأيام. وربما كان هذا من أكثر أسرار النفس الإنسانية غموضا؛ أن القلب يستطيع أن يجمع بين الرضا الكامل والحنين الكامل، بين التسليم المطلق والاشتياق الذي لا ينطفئ، لأن الرضا لا يعني أن يتوقف الإنسان عن التمني، وإنما أن يتوقف عن منازعة القدر.

نحن لا نتألم دائما لأن الحياة أخذت منا شيئا، بل لأن الحياة تركت في داخلنا حياة أخرى لم نعشها قط، حياة ظلت تكبر في الخيال حتى أصبحت جزءا من ذاكرتنا، مع أنها لم تكن يوما جزءا من واقعنا. فالإنسان لا يتكون من سنواته وحدها، وإنما من احتمالاته أيضا، من الأبواب التي أغلقت قبل أن تمتد إليها يده، ومن الكلمات التي بقيت حبيسة صدره حتى نسيت لغتها، ومن الأيام التي انتظرها حتى انتهى العمر قبل أن تأتي.

وما أقسى أن يكتشف المرء، بعد رحلة طويلة، أن أكثر ما ترك أثره فيه ليس ما عاشه، بل ما لم يعشه، وكأن القدر لا يكتفي بأن يحرم الإنسان من بعض الطرق، بل يترك داخله القدرة على رؤيتها حتى آخر العمر.

عندها يبدأ في فهم أشياء لم يكن يدركها وهو صغير؛ يفهم لماذا يصبح الصمت أحيانا أبلغ من الكلام، ولماذا يقل عدد الكلمات كلما كثرت التجارب، ولماذا يتعب الإنسان من الشرح أكثر مما يتعب من الألم نفسه. ففي أول الطريق يظن أن الناس إذا عرفوا الحقيقة أنصفوه، ثم يكتشف أن أقسى الأحكام تصدر ممن لم يعرفوا الجوع، ولا الفقد، ولا الانتظار، ولا تلك الليالي التي ينام فيها الإنسان بينما جزء من حياته لم يولد بعد. يسهل على هؤلاء أن يمنحوا النصائح، لأن النصيحة لا تكلف صاحبها شيئا ما دام لم يدفع ثمنها. يتحدثون عن الصبر لأنهم لم يجلسوا يوما أمام باب مغلق لا يفتح، ويتحدثون عن الرضا لأنهم لم يحملوا في صدورهم أمنية يعلمون أنها لن تتحقق، ويتحدثون عن النسيان لأنهم لم يجربوا كيف تتحول بعض الذكريات إلى جزء من تكوين الروح.

وحين تحتاج إليهم يجد كل واحد منهم سببا للغياب، فإذا طالبتهم بحقك وجد سببا آخر للهروب. ولو أمضى الإنسان عمره يحاسب الناس على ما فعلوه به، لانتهى عمره قبل أن يصل إلى نفسه. ولم يعد في العمر ما يكفي لخوض كل تلك المعارك الصغيرة، لأن أكثر ما يسرقه البشر من الإنسان ليس وقته، بل روحه. ومن الحكمة أن يعرف المرء متى يكف عن طرق الأبواب التي لا تفتح، ومتى يتوقف عن انتظار القلوب التي لا تجيد إلا الغياب. فالناس للناس، أما بعض الأرواح فقد كتب عليها أن تكون للطريق. والطريق لا يربت على كتف أحد، ولا يعوض أحدا، ولا يعد أحدا بشيء، لكنه يعلم الإنسان كيف يمشي بقلب مثقل دون أن ينحني، وكيف يبتسم دون أن يشرح، وكيف يصمت دون أن يمتلئ بالكراهية.

شيئا فشيئا يعيد الطريق ترتيب الإنسان من الداخل. يكتشف أن ما بقي من العمر أقل بكثير مما مضى، وأن الأيام القادمة أضيق من أن تحتمل خصومات قديمة، أو عتابا طويلا، أو محاولات مستمرة لإثبات النفس أمام من لا يريد أن يراها. يتغير معنى الانتصار، فيصبح السلام أغلى منه، ويتغير معنى القوة، فيصبح الصفح أقرب إليها، ويتغير معنى الكلام، فيصبح الصمت أصدق منه. ولا لأن الإنسان أصبح أقل إحساسا، بل لأنه أصبح أكثر فهما، وأكثر إدراكا أن بعض الحقائق لا تتغير مهما بالغ في شرحها.

ثم يبلغ مرحلة لا تعود فيها الخصومة مع الدنيا ممكنة، ولا مع القدر ضرورية. يدرك أن العمر كله لم يكن إلا رحلة طويلة يتعلم فيها كيف يسلم ما يحب إلى الله دون أن يفقد محبته له، وأن أكثر الأمنيات صدقا ليست تلك التي تحققت، بل تلك التي علمته كيف ينضج وهو ينتظرها، وكيف يبتسم وهو يراها تبتعد، وكيف يبقى مؤمنا رغم أنها لم تأت.

ويبقى في داخله شيء صغير، ليس تمردا، ولا اعتراضا، ولا ضعفا، وإنما أثر إنساني لا يمحوه الإيمان، ولا ينبغي له أن يمحوه؛ أمنية واحدة، لو خير بين الدنيا كلها وبينها لاختارها، لا لأنها كانت ستغير حياته، بل لأنها كانت ستمنحه ذلك اليوم الذي ظل يراه بعيني قلبه ولم يره بعينيه قط.

وما أعجب الإنسان، يقضي عمره كله يتعلم كيف يرضى، ثم يكتشف أن الرضا لم يكن يعني يوما أن تموت الأمنية، بل أن تبقى حية دون أن تتحول إلى خصومة مع السماء. وربما لهذا السبب، كلما تقدم به العمر، لم يعد يخيفه الرحيل بقدر ما حيره تأخره. فإذا كانت الرحمة هي أوسع صفات الله، فلماذا يطول الطريق على بعض الأرواح بعد أن تفرغ من كل شيء؟ ولماذا يبقى الإنسان شاهدا على عالم لم يعد له فيه طلب، إلا أن يكمل ما كتب عليه حتى آخر خطوة؟ لعل الحكمة التي يعجز العقل عن إدراكها هي أن الله لا يطيل الطريق لأن العبد قوي، ولا يقصره لأنه ضعيف، وإنما لأن لكل روح موعدا لا يتقدم لحظة ولا يتأخر لحظة، ولأن الطريق لا ينتهي عندما يتعب السائر، بل عندما تكتمل فيه الحكمة التي خرج من أجلها. وربما لا تكون أعظم درجات الرضا أن تتحقق كل الأمنيات، بل أن يبقى في قلب الإنسان سؤال لن يجد جوابه في الدنيا، وأمنية لن تتحقق في الدنيا، ثم يمضي وهو يعلم أن بعض الأجوبة لا تعطى على الأرض، وأن بعض الأمنيات لم تخلق لتسكن الزمن، بل لتقود الروح إلى ما هو أبعد من الزمن نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *