مقالاتترندات
أخر الأخبار

محمود عبد المغني.. من سؤال النجومية إلى أزمة النقد السينمائي

كتب: المخرج محمود محمود

ما جرى أخيرا حول الفنان محمود عبد المغني يستحق أن نتوقف أمامه، لكن ليس بالمعنى الذي دفعته إليه وسائل التواصل الاجتماعي؛ أي باعتباره معركة بين فنان وناقد، أو مواجهة بين جمهور غاضب وناقد مارس حقه في إبداء الرأي. المسألة في تقديري أوسع من ذلك بكثير، لأن محمود عبد المغني نفسه أصبح هنا مدخلا مناسبا لسؤال طالما احتاجت إليه السينما المصرية: ماذا يعني أن ننقد ممثلا؟ وماذا يعني أن نقول عن فنان إنه نجم أو ليس نجما؟ وهل قيمة الممثل تقاس بحجم إيراداته فقط، أم بعدد البطولات التي حملها، أم بقدرته على ترك أثر في الجمهور، أم بمستواه الفني، أم بكل هذه العناصر مجتمعة ولكن مع الفصل بينها؟ والأهم من ذلك كله: هل ما يمارس في كثير من الأحيان في الصحافة والمنصات الرقمية يمكن أن نسميه نقدا فنيا بالمعنى الذي استقر عليه النقد السينمائي الحديث، أم أننا أحيانا نخلط بين الرأي والانطباع والحكم والسخرية وبين عملية النقد التي يفترض أن تكون أكثر تعقيدا وصرامة؟

والبداية العادلة لا بد أن تكون من محمود عبد المغني نفسه، لأن الحديث عنه باعتباره مجرد ممثل لم يثبت نجوميته أو لم يصل إلى مكانة نجوم الشباك اختزال شديد لتجربة فنية ممتدة. محمود عبد المغني ليس اسما طارئا على البطولة، ولم يكن طوال مسيرته مجرد ممثل يقف في الصف الثاني خلف نجوم آخرين. لقد قدم أدوارا رئيسية، وحمل أعمالا كان وجوده فيها جزءا أساسيا من بنيتها الجماهيرية والدرامية، وحقق نجاحا في أعمال من بطولته، ونجح في مراحل مختلفة في أن يفرض نفسه باعتباره ممثلا قادرا على قيادة الشخصية والعمل، وليس فقط أداء الدور المساند. وهذا لا يعني بالطبع أن كل أعماله نجحت، أو أن كل اختياراته كانت صائبة، أو أن مسيرته خالية من التفاوت؛ فهذه أمور طبيعية في تجربة أي ممثل استمرت سنوات طويلة. لكن الإنصاف النقدي يقتضي أن نضع النجاح في مكانه كما نضع الإخفاق في مكانه، وألا نعيد كتابة تاريخ الفنان من خلال نتيجة فيلم واحد أو فترة واحدة من مسيرته.

وهنا تحديدا تظهر مشكلة الخلط بين الممثل والنجم ونجم الشباك. هذه المصطلحات ليست مترادفات، حتى لو استخدمناها في الكلام اليومي باعتبارها شيئا واحدا. نجم الشباك هو مفهوم له علاقة مباشرة بالقوة التجارية للاسم وقدرته المتوقعة على جذب الجمهور وتحقيق الإيرادات، بينما الممثل مفهوم فني يتعلق بالأداء والقدرة على بناء الشخصية والحضور والتنوع والصدق والقدرة على العمل داخل اللغة السينمائية. وقد يجتمع الاثنان في فنان واحد، لكن اجتماعهما ليس قاعدة. يمكن أن يكون لدينا نجم جماهيري شديد القوة، ولا يعني ذلك تلقائيا أنه أفضل ممثل في جيله، كما يمكن أن يكون لدينا ممثل عظيم لا يمتلك بالضرورة القوة التجارية الكافية لجعل اسمه وحده ضمانا لإيرادات الفيلم. وفي السينما العالمية نفسها ظل هذا الفصل ضروريا، لأن دراسة الفيلم لا تتعامل مع الأداء بوصفه نتيجة لشباك التذاكر، بل باعتباره عنصرا من عناصر النص السينمائي والأسلوب والإخراج والتلقي.

ولهذا فإن السؤال النقدي الصحيح تجاه محمود عبد المغني ليس: هل هو نجم شباك أم لا؟ وإنما: ما طبيعة نجوميته؟ وكيف تشكلت؟ وماذا قدم بوصفه ممثلا؟ وأين نجح في حمل الفيلم؟ وأين لم تنجح الأعمال التي قام ببطولتها؟ وهل أسباب النجاح أو الإخفاق تعود إليه وحده؟ وهذه الأسئلة أكثر عدلا وأكثر علمية، لأنها تفصل بين قيمة الفنان وبين اقتصاد الفيلم. فالفيلم ليس ممثلا فقط؛ إنه نص وإخراج وتمثيل وتصوير ومونتاج وصوت وإنتاج وتوزيع وتسويق وتوقيت عرض وظروف سوق ومنافسة وذائقة عامة. لذلك فإن تحميل الممثل وحده نتيجة شباك التذاكر يشبه الحكم على لاعب كرة قدم من النتيجة النهائية دون تحليل المباراة نفسها.

ومن هنا نصل إلى جوهر المسألة: النقد الفني الحديث لا يبدأ بالحكم، بل يبدأ بالملاحظة والتحليل والتفسير ثم يصل إلى الحكم. وهذه ليست مسألة لغوية، وإنما هي الفارق الجوهري بين الرأي والنقد. حين يقول شخص: “أنا أحب محمود عبد المغني”، فهذا رأي شخصي كامل الشرعية. وحين يقول شخص آخر: “أنا لا أراه نجم شباك”، فهذا أيضا رأي يمكن مناقشته. لكن الناقد عندما يكتب عن محمود عبد المغني لا يفترض أن يكتفي بإعلان موقفه، وإنما عليه أن يقدم للقارئ الأدلة التي جعلته يصل إلى هذا الموقف. إذا كان يرى أن أداءه قويا، فعليه أن يشرح كيف يستخدم صوته وجسده ونظراته وإيقاعه الداخلي، وكيف تختلف أدواته من شخصية إلى أخرى، وكيف يتعامل مع الكادر ومع الممثل المقابل، وكيف يستجيب لتوجيه المخرج. وإذا كان يرى أن أداءه ضعيف في عمل ما، فعليه أن يحدد موضع الضعف: هل هو في بناء الشخصية؟ أم في التعبير الانفعالي؟ أم في الإيقاع؟ أم في العلاقة بين الأداء والإخراج؟ أم أن الشخصية نفسها مكتوبة بطريقة لا تسمح للممثل بأن يقدم أكثر مما قدم؟

وهنا يمكن أن نفهم أحد الأسس الكبرى في النقد السينمائي الحديث، وهو التحليل الشكلي؛ أي قراءة الفيلم من خلال الطريقة التي يصنع بها معناه، لا من خلال قصته فقط. في هذه المقاربة لا يكتفي الناقد بأن يقول إن الفيلم حكى قصة جيدة، وإنما يدرس الصورة، وحركة الكاميرا، وحجم اللقطة، والمونتاج، والإضاءة، والصوت، والموسيقى، والأداء، وتكوين الكادر، والزمن، والإيقاع، والعلاقة بين العناصر كلها. وهذا النوع من التفكير ارتبط بقوة بأعمال منظّرين ونقاد مثل ديفيد بوردويل، الذي جعل دراسة أسلوب الفيلم والسرد وبناء المشهد جزءا مركزيا من التفكير السينمائي، وتجاوز الفصل التقليدي بين الكتابة النقدية والدراسة الأكاديمية. ولذلك فإن الناقد عندما يكتب عن ممثل لا ينبغي أن يعزل أداءه عن الصورة التي يظهر داخلها؛ لأن الأداء السينمائي ليس مسرحا مستقلا، وإنما هو أداء تصنعه الكاميرا والمونتاج والإخراج بقدر ما يصنعه الممثل نفسه.

ثم تأتي نظرية المؤلف، وهي من أكثر المناهج تأثيرا في تاريخ النقد السينمائي الحديث. الفكرة الأساسية هنا أن بعض المخرجين يمكن قراءة أعمالهم المتعددة بوصفها امتدادا لحساسية فنية وأسلوبية متكررة، وأن الفيلم يمكن أن يحمل بصمة صاحبه، لا باعتباره المؤلف الوحيد حرفيا، وإنما باعتبار رؤيته قوة منظمة داخل العمل. وقد أصبحت هذه الفكرة جزءا أساسيا من تاريخ النقد السينمائي، وارتبطت خصوصا بالكتابات الفرنسية حول المخرجين في منتصف القرن العشرين، ثم تطورت لاحقا وأصبحت موضع نقاش واعتراض أيضا. لكن أهمية نظرية المؤلف بالنسبة لنا هنا أنها تعلم الناقد شيئا أساسيا: لا تقرأ عملا واحدا دائما بمعزل عن السياق الإبداعي لصاحبه عندما يكون ذلك السياق مفيدا. فإذا أردنا تقييم ممثل بالطريقة نفسها، يمكننا أن ننظر إلى مسيرته باعتبارها “نصا” ممتدا؛ نسأل كيف تغير أداؤه، وما الشخصيات التي عاد إليها، وما الأنماط التي نجح فيها، وأين خرج من منطقته المألوفة، وما الذي أضافه مع الزمن.

لكن النقد الحديث لم يتوقف عند الشكل أو المؤلف. تطور أيضا نحو السيميائيات، التي تنظر إلى السينما باعتبارها نظاما من العلامات والمعاني. اللون قد يصبح علامة، والمكان قد يحمل دلالة، والملابس قد تكشف عن طبقة أو هوية، والصمت قد يكون أكثر دلالة من الحوار، وطريقة ظهور الجسد أمام الكاميرا قد تقول شيئا عن الشخصية قبل أن تتحدث. وفي هذا النوع من القراءة لا يكون السؤال فقط: ماذا حدث؟ وإنما: ماذا يعني ما حدث؟ وكيف صنعت الصورة هذا المعنى؟ وقد تطورت هذه المقاربة في دراسات السينما الحديثة بالتوازي مع أعمال في السيميولوجيا ونظرية العلامة، وأصبحت من الأدوات التي يمكن من خلالها تحليل الصورة والصوت والأداء بوصفها أنظمة دلالية، لا مجرد عناصر تقنية.

ثم يأتي مستوى آخر أكثر اتساعا، هو النقد السياقي؛ وهنا لا يُقرأ الفيلم بوصفه قطعة فنية مغلقة فقط، وإنما بوصفه نتاجا لزمن ومجتمع وصناعة وأفكار. ما الطبقة الاجتماعية التي يمثلها الفيلم؟ كيف يصور المرأة؟ كيف يصور السلطة؟ كيف يتعامل مع الدين أو الطبقة أو المدينة أو الريف أو الذكورة أو العلاقات الإنسانية؟ هل يعيد إنتاج صورة اجتماعية سائدة أم يعارضها؟ وما علاقة الفيلم بالظرف السياسي والثقافي الذي ظهر فيه؟ وهذه المقاربة هي التي جعلت النقد السينمائي يتسع من سؤال “هل الفيلم جيد؟” إلى سؤال “ماذا يفعل الفيلم داخل الثقافة التي أنتجته؟”. ولذلك أصبح من الطبيعي في الدراسات السينمائية الحديثة أن تتقاطع قراءة الفيلم مع دراسات النوع الاجتماعي والأيديولوجيا والتمثيل والهوية، وهي من المناهج التي تدرّس اليوم ضمن مقاربات نقدية متعددة.

لكن ربما يكون التحول الأهم بالنسبة لعلاقتنا الحالية بالسينما هو انتقال الاهتمام من النص إلى المتلقي، أو ما يعرف بدراسات التلقي والمشاهدة. الفيلم لا يكتمل بمجرد أن يفرغ المخرج من صناعته؛ هناك مشاهد يستقبله ويمنحه معنى، وقد يختلف معنى الفيلم من جمهور إلى آخر ومن زمن إلى آخر. وهنا يصبح الجمهور عنصرا حقيقيا في عملية القراءة. ليس معنى ذلك أن الجمهور يحل محل الناقد المتخصص، ولا أن رأي الأغلبية يتحول إلى حقيقة فنية، وإنما يعني أن الاستجابة الجماهيرية نفسها أصبحت موضوعا مشروعا للدراسة. فإذا أحب الجمهور ممثلا، فهذه ظاهرة تستحق التفسير. وإذا رفض فيلما نال إعجاب النقاد، فهذه أيضا ظاهرة تستحق الدراسة. السؤال ليس من المنتصر في المعركة، وإنما لماذا حدث هذا الاختلاف أصلا؟

وهنا تحديدا تصبح تجربة محمود عبد المغني أكثر إثارة للاهتمام. لأن الجمهور الذي تابع مسيرته لم ير فيه بالضرورة مجرد اسم مرتبط بفيلم بعينه، وإنما رأى ممثلا تراكم حضوره عبر سنوات. الجمهور يتذكر الشخصية، والمشهد، والحالة، وطريقة الكلام، وربما لا يتذكر اسم المخرج أو الكاتب أحيانا. هذه الذاكرة الجماهيرية ليست بديلا عن النقد الأكاديمي، لكنها ليست شيئا يجب السخرية منه أيضا. إنها نوع آخر من المعرفة، معرفة قائمة على التلقي والتجربة والذاكرة العاطفية. ومن الخطأ أن يتحول النقد إلى سلطة تقول للجمهور إن ما أحببتموه لا قيمة له، كما أنه من الخطأ أن يتحول الجمهور إلى سلطة تقول للناقد إن ما لا نحبه لا يجوز نقده.

وهنا يمكن أن نفهم معنى النقد الحديث بوصفه حوارا. الناقد لا يأتي ليقول للجمهور: أنا أمتلك الحقيقة. والجمهور لا يأتي ليقول للناقد: نحن الأغلبية إذن نحن الحقيقة. كلاهما يتحرك داخل مساحة أوسع هي العمل الفني. الناقد يملك أدوات تحليل وخبرة وتاريخا معرفيا، والجمهور يملك تجربة المشاهدة والاستجابة والذاكرة والقدرة على تحويل الفيلم إلى ظاهرة اجتماعية. وفي السينما التجارية تحديدا يصبح الجمهور أيضا جزءا من الصناعة نفسها؛ لأن سلوكه يؤثر في المنتج والموزع والمخرج والممثل، والنجاح الجماهيري يعيد تشكيل السوق، ونجاح ممثل في نوع معين من الأدوار قد يغير نوعية الأدوار التي تعرض عليه لاحقا.

ولهذا فإن الجمهور ليس الحلقة الأخيرة في صناعة السينما كما كنا نتخيل قديما، وإنما هو جزء من الدائرة. الكاتب يكتب وهو يعرف أن هناك جمهورا، والمنتج يمول وهو يفكر في السوق، والمخرج يختار لغته وهو يعرف طبيعة المتلقي، والممثل يبني صورته العامة من خلال العلاقة مع الجمهور، والناقد يقرأ الفيلم في ضوء تاريخه وسياقه، ثم يأتي الجمهور ليمنح العمل حياة أخرى خارج قاعة العرض. وفي العصر الرقمي أصبح هذا الدور أكثر وضوحا؛ فالمشاهد يستطيع أن ينتج خطابا نقديا حول الفيلم، أو فيديو تحليليا، أو مقالا، أو مراجعة، أو نقاشا جماعيا. حتى النقد السينمائي نفسه خرج من الصحيفة والمجلة إلى الفيديو والمقال الرقمي والبودكاست والـvideo essay، وهي أشكال أصبحت جزءا واضحا من الثقافة النقدية المعاصرة.

لكن هذا الاتساع لا يعني أن كل تعليق نقد. وهنا يجب أن نكون حذرين جدا. النقد الحديث لا يعني أن نلغي المعايير، وإنما يعني أن نوسع أدوات القراءة. ليس المطلوب من المشاهد العادي أن يتحدث بلغة أكاديمية كي يكون رأيه محترما، لكن عندما يقدم شخص نفسه باعتباره ناقدا، يصبح من حق القارئ أن يطالبه بالحجة والدليل والتحليل. ليس كافيا أن يقول إن الممثل “عظيم” أو “فاشل”، وإنما عليه أن يوضح من أين جاء هذا الحكم. وليس كافيا أن يصف الفيلم بأنه “مسلسل” أو “سينما حقيقية” أو “فيلم مهرجانات”، لأن هذه أوصاف لا قيمة نقدية لها ما لم تُترجم إلى تحليل للأسلوب والبناء واللغة والإيقاع والأداء.

وهنا أظن أن المشكلة المصرية ليست في قلة النقاد فقط، وإنما في غياب تعليم واسع لثقافة النقد نفسها. نحن كثيرا ما نتعامل مع النقد باعتباره موهبة شخصية: فلان “عنده قلم”، وفلان “بيفهم في السينما”، وفلان “لسانه حاد”. لكن النقد في العالم الحديث أصبح مجالا معرفيا له تاريخ ومناهج وأدوات ومفاهيم. يمكن أن تختلف المدارس النقدية، ويمكن أن يختلف النقاد في تفسير الفيلم، لكن هناك فرق بين اختلاف المدارس وبين غياب المنهج. الناقد قد يكون شكليا، أو مؤلفيا، أو سيميائيا، أو اجتماعيا، أو أيديولوجيا، أو مهتما بالتلقي، أو يجمع بين أكثر من مقاربة؛ لكنه في النهاية مطالب بأن يجعل القارئ قادرا على تتبع طريقه من المشاهدة إلى الاستنتاج.

ومن هنا فإن الأزمة التي كشفتها واقعة محمود عبد المغني ليست أزمة فنان يحتاج إلى دفاع، وإنما أزمة طريقة كاملة في الحديث عن الفنان. يمكن أن نختلف حول نجوميته التجارية، ويمكن أن نناقش نجاح أعماله وإخفاق بعضها، ويمكن أن نرى أن اختياراته في مرحلة ما كانت أقل من موهبته، ويمكن أن نختلف حول قدرته على حمل فيلم بمفرده؛ كل هذا نقد مشروع. لكن أن نختزل ممثلا له تاريخ وبطولات ونجاحات في حكم سريع، ثم نتصور أن الحكم نفسه أصبح حقيقة نهائية، فهذا ليس نقدا وإنما إغلاق لباب النقاش.

الفنان الحقيقي لا يحتاج إلى حصانة من النقد، بل يحتاج إلى نقد جاد. ومحمود عبد المغني، مثل أي ممثل له تجربة ممتدة، من حقه أن يواجه النقد، ومن حقه أيضا أن يحصل على قراءة كاملة لتجربته، بما فيها نجاحاته وإخفاقاته، لا أن يصبح ضحية لمعيار واحد اسمه شباك التذاكر. وإذا كان هناك خلاف حول حجم نجوميته، فهذا خلاف يمكن مناقشته بالأرقام والسياق والسوق، أما قيمته كممثل فتحتاج إلى قراءة أخرى تماما، قراءة تبحث في أدائه وتنوعه وحضوره واختياراته وتطوره وعلاقته بالشخصية وبالكاميرا وبالجمهور.

وفي النهاية، ربما يكون الدرس الأهم من هذه الأزمة أن السينما المصرية لا تحتاج إلى ناقد أكثر قسوة، وإنما إلى ناقد أكثر معرفة، ولا تحتاج إلى جمهور أكثر غضبا، وإنما إلى جمهور أكثر وعيا بأدوات المشاهدة. الناقد ليس موظفا لإعلان درجات الفنانين، والجمهور ليس لجنة تحكيم شعبية تلغي كل ما يقوله المتخصصون. بين الاثنين مساحة واسعة يمكن أن تنمو فيها السينما نفسها. النقد الحقيقي لا يهدم الفنان لكي يثبت سلطة الناقد، ولا يجامل الفنان لكي يحافظ على علاقته به، وإنما يحاول أن يفهم العمل والفنان والسياق والجمهور، ثم يقدم قراءة يمكن مناقشتها. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يبقى بعد كل هذه الضجة ليس: هل محمود عبد المغني نجم شباك أم لا؟ وإنما سؤال أكثر عمقا وعدلا: هل تعلمنا فعلا كيف ننقد ممثلا؟ فإذا تعلمنا الإجابة عن هذا السؤال، سنكون قد تجاوزنا محمود عبد المغني إلى قضية أكبر بكثير: قضية الثقافة السينمائية نفسها، وكيف نريد أن نقرأ أفلامنا وفنانينا، وكيف يمكن للنقد أن يكون جزءا من صناعة السينما وتطورها، لا مجرد سلطة تصدر الأحكام عليها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *