مقالات
أخر الأخبار

سحر سعيد تكتب.. اللغة العربية… نحتفل بها يومًا ونخذلها عامًا

في اليوم العالمي للغة العربية، نكتب منشورات أنيقة، ونرفع شعارات رنانة، ثم نغلق الصفحة… كأن العربية ضيف ثقيل نُكرمه لساعات ثم نطرده من حياتنا. نحتفل بلغتنا بينما نحن أول من يتخلى عنها، وأسرع من يستهين بها، وأكثر من يتعامل معها كعبء لا كهوية.

نرفع لافتات “لغتنا هويتنا”، ثم نخجل من التحدث بها في مؤتمراتنا، ونستبدلها بلغة هجينة لا هي عربية ولا أجنبية، ونبرر ذلك بالتطور والانفتاح، وكأن التقدم لا يتحقق إلا على أنقاض لغتنا الأم. الحقيقة الصادمة أن العربية لم تتراجع… نحن من تراجع عنها.

اللغة العربية لم تمت، لكنها تُقصى عمدًا. تُقصى من المدارس بحجج التطوير، ومن الإعلام بذريعة الجاذبية، ومن الحياة اليومية بحجة “الذوق العام”. نعلّم أبناءنا أن الخطأ في العربية عيب، بينما الخطأ في أي لغة أخرى “لطيف” ومقبول. نزرع فيهم عقدة لغوية ثم نتساءل: لماذا لا يحبون لغتهم؟

نلوم التكنولوجيا، ونلعن السوشيال ميديا، ونتباكى على ضياع الهوية، بينما الحقيقة أبسط وأقسى: نحن لم ندافع عن لغتنا حين كان يجب الدفاع عنها. تركناها بلا حماة، بلا قدوة، بلا حضور حقيقي في خطابنا اليومي.

العربية لم تكن يومًا لغة ضعف. هي لغة القرآن، ولغة العلم حين كان العالم يتعلم، ولغة الفلسفة حين كان التفكير شرفًا، ولغة الشعر حين كان الجمال ضرورة لا ترفًا. لكنها اليوم تُحاكم بتهمة أنها “صعبة”، بينما المشكلة ليست في اللغة، بل في عقول كسولة لا تريد أن تتعلم، وألسنة اعتادت السهل ولو كان فارغًا.

الاحتفال الحقيقي باللغة العربية ليس منشورًا ولا وسمًا، بل موقف. أن تتحدث بها دون اعتذار، أن تكتب بها دون شعور بالدونية، أن تصحح الخطأ دون سخرية، وأن تعيد لها مكانها الطبيعي في التعليم والإعلام والفكر.

أما أن نحتفل بها يومًا في العام، ونمارس اغتيالها اللغوي بقية الأيام… فذلك ليس احتفاءً، بل نفاق ثقافي صريح.

اللغة العربية لا تحتاج خطب حب، بل شجاعة انتماء.

فإما أن نحملها بوعي، أو نعترف – بصدق – أننا تخلينا عنها.

صورة الأديب الدكتور احمد حافظ

مع تحياتي سحر سعيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *