
كانت امرأة دخلت الحياة بقلب كامل لا يعرف النصف ولا الحساب احبت بصدق نادر لا يشبه الحكايات العابرة ولا الكلمات السهلة رأت في زوجها نور عينيها ونبض قلبها ومعنى وجودها هو لم تر نفسها يوما ككيان منفصل عنه بل اعتبرته امتدادا لروحها وكل ما كان جميلا في حياتها قدمته له بلا تردد ولا انتظار مقابل تعبت لتريحه وضحت لتسعده وتنازلت لتبقيه مطمئنا كانت تؤمن ان الحب حين يقسم لا ينقص وان العطاء الحقيقي لا يحتاج ضمانات
كان مدللا في عالمها محاطا باهتمامها في ادق التفاصيل كانت تراه قبل ان يتكلم وتشعر بثقله قبل ان يبوح لم تبخل عليه بوقتها ولا بمشاعرها ولا بطاقتها كانت تعيش من اجله وتفرح لفرحه وتتألم بصمت حين يتألم كانت تظن ان هذا هو الزواج الحقيقي شراكة روح قبل اي شيء وان الاحتواء هو اعلى اشكال الحب
ثم جاءت اللحظة التي لم تكن في الحسبان لحظة قلبت المعنى كله حين طلب منها ان يتزوج امرأة اخرى من اجل الاولاد قالها بهدوء قاس هدوء يحمل ثقلا لا يوصف وقفت وهي ترتجف من الداخل لكنها اختارت ان تكون اكبر من وجعها نظرت اليه وقالت براحتك انا يهمني سعادتك قالتها وهي تكسر شيئا عميقا في روحها واقنعت نفسها ان التضحية جزء من الحب وان رضا من نحب اولى من راحتنا
ومن الداخل كانت تعرف حقيقة لم يدافع عنها احد انها لم تكن مذنبة انها لم تحرم احدا من شيء ولم تختَر هذا القدر بارادتها عدم الانجاب لم يكن تقصيرا منها ولا عقابا لها بل ارادة ربنا لا يملك بشر تغييرها ولا يملك قلب صادق ان يحاسب عليها كانت تعرف ان الله وحده يهب وان المنع عطاء اخر لا يفهمه الجميع لكنها رغم يقينها كانت تتحمل نظرات الصمت وكلمات غير المنطوقة وكأنها مطالبة بالاعتذار عن شيء لم يكن بيدها
منذ تلك اللحظة بدأت حكاية اخرى لم تكن تعرف انها ستعيشها كانت الاولى في العطاء والاخيرة في الاهتمام صارت وجودا هادئا على الهامش زوجة لا تغيب تماما ولا تحضر كما يجب صار نصيبها مكالمات هاتفية سريعة للاطمئنان كلمات تؤدي الغرض ولا تلمس القلب انا نازل الشغل انا راجع من الشغل صوت بلا حضور وسؤال بلا دفء
لم يكن يأتي اليها الا حين يضيق به الحال مع الزوجة الثانية او يهرب من شجار او ملل وكانت تستقبله بصمت لا بالعتاب ولا بالشكوى كانت تحتضن الوجع وتبتلع الكلمات لانها لا تعرف كيف تشتكي ولا لمن كانت تكرر داخلها انها اختارت هذا الطريق وان عليها ان تتحمل لكن الايام كانت اقسى من قدرتها البشرية
لم تتخيل يوما ان تتحول الى هذه الصورة امرأة مظلومة بلا ذنب تعيش في انتظار الهاتف اكثر من انتظار اللقاء امرأة لم تقصر ولم تخن ولم تطلب المستحيل لكنها وجدت نفسها منسية تعطي بلا مقابل وتتحمل بلا تقدير وكأن سنوات الحب الصادق صارت بلا وزن
كلما حاولت ان تطلب العدل كان يقول حاضر كلمة خفيفة بلا اثر ثم يعود كل شيء كما كان تجاهل بارد وكأن وجعها تفصيل لا يستحق التوقف كانت تطلب حضورا حقيقيا لا وعدا مؤجلا وتطلب قلبا لا مكالمة لكنها لم تحصل الا على الصبر المفروض عليها
ومع مرور الوقت بدأت تشعر انها تعيش جسدا بلا روح تؤدي واجباتها وتبتسم حين يجب لكن داخلها كان يذبل ببطء كل يوم يسقط جزء دون صوت حتى لم تعد تعرف متى ضاعت ولا كيف وصلت الى هذا التعب ظلم صامت لا يراه احد ولا يعترف به احد ظلم لا يحتمله بشر
حملت كل هذا وحدها لانها تعودت ان تكون القوية التي تفهم وتحتمل وتضع سعادة غيرها قبل نفسها حتى حين صار الثمن روحها نسوا ان الصبر حين يطول بلا عدل يتحول الى وجع وان الحب حين لا يحمى يتحول الى عبء
هذه ليست حكاية امرأة واحدة بل حكاية كثيرات احبن حتى الذوبان وضحين حتى الفقد وتقبلن ما لا يحتمل باسم الحب والصبر وهي حكاية تذكرنا ان الارادة الالهية لا تكون ذنبا وان القلب الذي يعطي كل شيء لا يجب ان يعاقب بالغياب
تبقى هذه المرأة واقفة لا لانها لم تتألم بل لانها اعتادت ان تخفي الالم وتمضي ويبقى السؤال معلقا الى متى يستطيع القلب ان يعطي وهو لا يتلقى سوى الغياب ومتى يأتي اليوم الذي تسترد فيه هذه الانسانه حقها في ان تعيش لا كظل ولا كجسد بلا روح بل كانسانة كاملة تستحق الحب والعدل والاحتواء



