الأرض التي تحتفظ بأسرارك بقلم / نشأت البسيوني

هناك أرض لا يراها الناس على حقيقتها هي ليست مجرد تربة تحت أقدامنا ولا حشائش ولا جبال ولا أنهار هي أكثر من ذلك هي سجل صامت لكل لحظة مرت بنا لكل فكرة لكل شعور لم نعبر عنه لكل دمعة أجهضناها قبل أن تظهر لكل ابتسامة خفية تركناها في الزوايا الصغيرة للذاكرة الإنسان يمشي عليها يوميا يظن أنه يعرفها يعرف حدودها يعرف مساراته عليها لكنه لا يدرك أن الأرض تحفظه كما
يحفظ الحجر البحر والريح كل خطوة نخطوها تترك أثرا غير مرئي كل كلمة نلفظها تصنع تربة جديدة تحت أقدامنا كل صمت نحتفظ به يصبح طبقة من طبقات الأرض التي تسجل وجودنا بصمت
المدينة التي نعيش فيها والأشجار التي نمر بها والطرقات التي نعبرها ليست فقط مادية بل تحمل وزن وجودنا والآثار التي نتركها ولو لم نلحظها ولو لم ننتبه نحن نحفر في هذه الأرض مسارات غير
مرئية تملي مصائرنا بشكل هادئ مستمر بلا صخب بلا اعلان
الأرض التي نعتقد أنها ساحة متاحة للجميع هي في الحقيقة مرايا صامتة لقدراتنا وخيباتنا وأحلامنا الفائتة ففي كل زاوية من زواياها قصص لم تروى آلام لم يسمع بها ضحكات لم تشاهد وكل شيء يبقى مسجلا بطريقة دقيقة لا يراها سوى من يعرف كيف يقرأ العلامات كيف يرى أثر القدمين على الرمال أثر الغضب في الأشجار
أثر الحب في الرياح الإنسان يظن أن التحكم في حياته يعني السيطرة على ما يراه لكنه يجهل أن الأرض تحتفظ بالضبط بما نخفيه عن الآخرين بما نخجل منه بما لم نجد له حروفا لتخرج هذا ما يجعل الانسان يشعر احيانا أنه محاصر أو أنه تائه رغم انه يمشي في الطريق المألوف ويظن انه يعرف كل شيء في لحظة صمت تلمس الأرض بعض البشر بطريقة تجعلهم يكتشفون أشياء عن
أنفسهم لم يكونوا يتخيلونها تجعلهم يرون أن الماضي حاضر والحاضر متصل بالمستقبل بطريقة غير مرئية تجعلهم يواجهون القرارات التي أخذوها ويسترجعون من اختاروا ومن فقدوا ومن أحبوا بصدق ومن ضحوا بصمت الأرض لا توبخ ولا تعاقب لكنها تمنح كل انسان درسا خفيا عن الصبر وعن الوعي وعن أن كل فعل وكل شعور له أثر يتجاوز الزمن والمكان وأن الحياة ليست مجرد
أيام نمشيها بل سجل حي يتراكم يوما بعد يوم تحت أقدامنا وفي زوايانا الصغيرة حيث لا يراه أحد يدرك الإنسان أن الأرض ليست فقط تربة تسند أقدامنا بل هي رفيق صامت لكل لحظة من لحظات حياتنا تحفظ كل ما نحن عليه وكل ما كنا عليه وكل ما يمكن أن نصبح عليه تذكرنا أن كل أثر نتركه مهما بدا صغيرا أو غير مرئي له قيمة وأن الحياة أكبر وأعمق وأكثر تعقيدا مما نتصور وأننا جزء من
شيء مستمر أبدي بلا بداية واضحة ولا نهاية محددة هكذا تبقى الأرض شاهدة على كل لحظة على كل شعور على كل تجربة مهما اختفت عن الأعين تبقى مسجلة بصمتها وتعلمنا أن حضورنا في الحياة ليس فقط بما نفعله بل بما نتركه خلفنا في صمتها وأن أسرارنا التي نحملها لا تضيع بل تتحول إلى جزء من الكائن الأكبر الذي يربط بيننا وبين كل ما هو حي وكل ما مضى وكل ما



