
لم يعد خافياً على المتابع الجاد أن اختلالاً عميقاً أصاب صورة الحضور النخبوي في المجال العام، لا من حيث التخصص ولا من حيث القيمة. فالمسألة لم تعد مرتبطة بغياب أسماء أو بروز أخرى، بل بانزياح في المعايير نفسها، حيث تراجع التقدير الاستراتيجي بوصفه فعل فهم، لصالح تعليق سريع يلهث خلف اللحظة.
والأخطر أن هذا التراجع في النخب ليس سبباً منفصلاً، بل هو عرضٌ مباشر لوضع عام متراجع، فحين يضعف التعليم، ويُهمَّش البحث، وتُستبدل المؤسسات بالمنصّات، يختلّ ميزان القيمة تلقائياً. في مثل هذه اللحظات التاريخية، لا ينهار الحضور النوعي فجأة، بل يذوب تدريجياً، حتى يغدو الغياب مألوفاً وكأنه أمر عادي.
وفي هذا السياق، ما نعيشه اليوم ليس فقراً سياسياً فحسب، بل فقرٌ رمزيّ أيضاً، فقر في المثال، وفي اللغة، وفي القدرة على التمييز بين من يُنتج الفكرة ومن يكتفي بتكرارها. وحين تختلط الأصوات، ويُمحى الفارق بين المعرفة والضجيج، تفقد السياسة بوصلتها، ويبهت الفعل العام.
من هنا، فإن استعادة التوازن لا يمكن أن تبدأ بصناعة وجوه جديدة أو مضاعفة الظهور الإعلامي، بل بإعادة الاعتبار للمعنى ذاته: للمعرفة بوصفها جهداً، وللمقام بوصفه مسؤولية، وللمسافة الضرورية بين التحليل والاستعراض. دون ذلك، سيستمر التراجع لا لأنه حتمي، بل لأنه غير مُقاوَم.



