
ذاكرة الاشياء التي لم نقلها
بقلم/ناني عادل
في حياة كل انسان كلمات لم تخرج في وقتها كلمات توقفت عند الحلق ثم عادت للداخل لتتحول مع الايام الى ثقل لا يراه احد لكنها تظل موجودة تمنعنا احيانا من النوم وتعود الينا في اللحظات التي نكون فيها صادقين مع انفسنا كأنها باب مغلق نعرف ان علينا فتحه لكننا نتردد خوفا مما سنجده خلفه
هذه الكلمات ليست مجرد جمل ناقصة بل مشاعر كاملة لم تجد طريقها للخارج خوف من رد فعل معين او محاولة لحماية شخص اخر او رغبة في الظهور اقوى مما نحن عليه لكنها رغم صمتها تظل اقوى مما نعتقد تظل تطرق علينا من الداخل حتى نتذكر اننا لم نواجه الحقيقة بل اخفيناها مؤقتا
ومع كل يوم يمر نفهم ان الانسان لا يتألم من الكلام الذي قاله بقدر ما يتألم من الكلام الذي لم يقله لم يقل انه حزين لم يعترف انه موجوع لم يعبر عن شكره لم يطلب ما يحتاجه ولم يوضح موقفه وترك الامور تمضي على امل ان يفهمه الاخرون دون ان ينطق وفي النهاية يكتشف ان الصمت لم يحل شيئا بل زاد الامور تعقيدا
والكلمات التي لم نقلها تتصرف مثل ضيوف لا يرحلون بسهولة تعود عند الليالي الطويلة وعند المواقف المتشابهة وعند الوجوه التي تركتنا وعند التفاصيل التي اهملناها تعود لتذكرنا بان ما اخفيناه لم يمت بل انتظر اللحظة المناسبة ليظهر وان الانسان مهما حاول الهرب من مشاعره سيعود اليها لانها جزء من تكوينه لا يمكن التخلص منه
لكن الجميل في الامر ان هذه الكلمات ليست عبئا فقط بل درسا فهي تعلّمنا قيمة الوضوح وتعلّمنا ان الصدق مع النفس اهم من ارضاء العالم وتفتح اعيننا على فكرة ان التعبير ليس ضعفا بل انقاذ للروح من تراكمات قد تفسدها على المدى البعيد تعلّمنا ان الكلام الذي نقوله قد يغير مصيرا وقد ينقذ علاقة وقد يخفف عن قلب كان ينتظر كلمة واحدة ليشفى
يدرك الانسان ان الحياة قصيرة جدا لنخزن فيها ما يجب ان يقال وان القلوب اثمن من ان نتركها تختنق في الداخل وان اثقل ما نحمله هو ما لم نعبر عنه وافضل ما نفعله لانفسنا هو ان نسمح للكلمات بالمرور خارج حدود الخوف فالكلمة التي لم نقلها اليوم قد تصبح جرحا غدا وقد تصبح خطوة ضائعة في طريق كنا نحلم ان نمشيه


