مقالات

عبور يفتح للروح ملامح ما لم ير بعد

بقلم / نشأت البسيوني

عبور يفتح للروح ملامح ما لم ير بعد

بقلم/نشأت البسيوني

في تلك اللحظات التي يقف فيها الانسان عند حدود ما يعرفه ويشعر ان الخطوة التالية غامضة وغير مأمونة يكشف له الوجود عن حقيقة عميقة وهي ان العبور الى المجهول ليس مخاطرة بل هو ضرورة لان الروح لا تتسع الا حين تخرج من اطارها القديم ولا تكتشف قوتها الا حين تواجه ما لم تتوقعه فالعبور هو بداية كل تحول وهو الجسر الذي ينتقل به الانسان من صورة كان يعتقد انها نهايته الى صورة اخرى لم يكن يعلم انها بدايته
ومع كل محاولة للانتقال من مرحلة الى اخرى تتولد داخل الانسان مقاومة داخلية تحاول ان تبقيه في مكانه الاول لكن ما ان يتغلب على تلك المقاومة حتى يجد نفسه امام افق جديد افق لا يشبه ما تركه وراءه ولا يشبه ما توقعه لكنه يحمله الى اتساع يجعل رؤيته ابعد ويجعله ينظر الى الحياة بنضج لم يكن يمتلكه من قبل فالتغيير الحقيقي لا يأتي سهلا بل يأتي حين يقرر الانسان ان يعبر رغم خوفه وان يتقدم رغم شكه وان يضع قدمه على الارض التي لا يعلم ما تخبئه
ومع مرور الايام يكتشف الانسان ان القوة لا تظهر في لحظات الراحة بل في لحظات القرار حين يختار ان يكمل دون ضمانات وان ينهض دون سند وان يثق في قدرته على تجاوز ما يبدو عسيرا فهناك في داخله عمق لا يراه في اوقات السكون لكنه يظهر في اوقات الصعاب ويكشف له انه اكبر من كل ما اعتقد انه يحده وانه اقوى من كل ما ظنه عائقا
وفي منتصف الرحلة بين ما كان وما سيكون يشعر الانسان ان بداخله طاقة جديدة طاقة تجعل خطواته اثبت وتجعل وعيه ارقى وتجعل نظرته للحياة لا تعتمد على ما يحدث حوله بل على ما ينمو داخله فالنضج يأتي حين يدرك انه لا يمكن العودة لما كان وان الطريق الوحيد هو المضي قدما وان العبور الى المرحلة التالية مهما كان صعبا سيحمله دائما نحو شيء يستحق
ومع تعاقب اللحظات تتكشف للروح اشارات صغيرة غير مرئية اشارات تخبر صاحبها انه يسير في طريقه الصحيح رغم عدم وضوحه وان كل ما فقده لم يكن خسارة بل كان تحريرا وان كل ما اكتسبه مهما بدا بسيطا هو جزء من بناءه الداخلي الذي سيحمله للمرحلة الاكثر اتساعا والاكثر نضجا والاكثر صدقا مع ذاته
كل عبور يجد الانسان نفسه في مكان لم يكن يتوقعه في مكان يشبهه اكثر مما يشبه العالم من حوله في مكان يليق بكل ما تحمله روحه من صبر وقوة واصرار وفي تلك اللحظة يدرك ان العبور لم يكن مجرد انتقال بل كان فتحا للروح نحو ملامح ما لم ير بعد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *