مقالات
أخر الأخبار

الكاتب جمال مختار… “الخذلان من رحم الخذلان”

في مقاله بعنوان “الخذلان من رحم الخذلان” يطرح الكاتب جمال مختار رؤية فكرية تتأرجح بين الألم التاريخي واستدعاء الذاكرة الحضارية، في محاولة لإعادة ترتيب الصورة الذهنية التي ترسخت لدى البعض عن الأمة الإسلامية عبر العصور. المقال لا يكتفي بسرد وقائع تاريخية، بل يتخذ من التاريخ منصةً لمساءلة الحاضر ومواجهة خطاب يتهم المسلمين بالرجعية والعدوانية.

ينطلق الكاتب من استعراض مسيرة الدولة الإسلامية منذ نشأتها في المدينة المنورة، مرورًا بمراحل التوسع في العهدين الراشدي والأموي، وصولًا إلى الازدهار العباسي والامتداد العثماني. هذا الامتداد، كما يوضح، لم يكن عسكريًا فحسب، بل كان حضاريًا بالدرجة الأولى؛ حيث ارتبط بالعلم والترجمة والازدهار الاقتصادي والتسامح الديني النسبي، مما جعل الحضارة الإسلامية آنذاك مركز إشعاع عالمي.

ويستحضر المقال مؤسسات علمية كبرى مثل بيت الحكمة في بغداد، وحواضر العلم في الأندلس، ليؤكد أن أوروبا نفسها نهلت من علوم الرياضيات والطب والفلك التي ازدهرت في ظل الحكم الإسلامي. ومن هنا تتشكل المفارقة التي يطرحها الكاتب: كيف تُوصم أمة ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية بالتخلف، بينما تتجاهل إنجازاتها العلمية والثقافية؟

الجزء الأكثر جدلًا في المقال يتمثل في المقارنة بين طبيعة التسليح في العصور الإسلامية القديمة، التي اعتمدت على أدوات القتال التقليدية، وبين الأسلحة الفتاكة الحديثة التي شهدها العالم في القرون الأخيرة. ومن خلال هذه المقارنة يسعى الكاتب إلى إبراز اختلاف السياقات التاريخية، مع تساؤلٍ ضمني حول مفهوم “التحضر” حين يقترن بإنتاج أدوات إبادة شاملة.

لغة المقال يغلب عليها الطابع الخطابي المشحون بالعاطفة، ويظهر فيه الحس الجدلي بوضوح، إذ يخاطب القارئ مباشرة ويدعوه للتفكير والمقارنة. كما يستخدم أسلوب السخرية في خاتمته، حين يشير إلى عالمٍ “يعج بالـ TNT”، في إشارة ناقدة لواقع دولي يمتلئ بالصراعات المسلحة.

يمكن القول إن مقال “الخذلان من رحم الخذلان” هو نص يعكس حالة شعورية قبل أن يكون دراسة تاريخية بحتة؛ إنه تعبير عن رفض لصورة نمطية، ومحاولة لإعادة الاعتبار لذاكرة حضارية يرى الكاتب أنها تعرّضت للتشويه. وبين السرد التاريخي والنبرة الدفاعية، يترك جمال مختار القارئ أمام سؤال مفتوح: كيف نقرأ تاريخنا بوعي، دون أن نسمح له بأن يتحول إلى أداة صراع في الحاضر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *