مقالات

الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : الفقر النفسي و الوهم التخيلي ،، حين يملك الإنسان كل شيء ولا يملك نفسه .

الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : الفقر النفسي و الوهم التخيلىي ،، حين يملك الإنسان كل شيء ولا يملك نفسه

في عالمٍ تتكدس فيه الأموال، وتتعدد فيه الشهادات، وتلمع فيه الصور على شاشات الهواتف، يولد نوع جديد من الفقر…
ليس فقر الجيب، بل فقر الروح.
الفقر النفسي أخطر من الفقر المادي؛ لأن الفقير مادياً يعرف ما ينقصه، أما الفقير نفسياً فلا يدرك أصل علته. يعيش في وهم الاكتمال، بينما داخله فراغ هائل يبتلع كل إنجاز.
نرى أشخاصاً يملكون بيوتاً فاخرة، سيارات حديثة، حسابات ممتلئة، لكنهم يفتقرون إلى الطمأنينة. يفتقرون إلى الرضا. يفتقرون إلى المعنى. وهنا تبدأ المأساة الصامتة.
ما هو الفقر النفسي؟
الفقر النفسي هو شعور دائم بالنقص رغم توافر الإمكانيات.
هو احتياج مستمر للتصفيق، للانتباه، للإعجاب.
هو مقارنة مرضية بالآخرين، وقياس القيمة الإنسانية بعدد المتابعين لا بعدد القيم.
تحدث الفيلسوف الألماني إريك فروم عن الإنسان الذي يتحول من “كائن يكون” إلى “كائن يملك”، فيفقد ذاته وهو يلهث خلف الأشياء.
وتحدث عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل عن “الفراغ الوجودي” الذي يصيب الإنسان عندما يفقد المعنى، حتى لو امتلك كل أسباب الراحة.
الفقر النفسي إذن ليس ضعفاً مادياً، بل غياب معنى، وانهيار قيمة داخلية.
الوهم التخيلي… صناعة عقلٍ خائف
أما الوهم التخيلي، فهو الوجه الآخر للعملة.
هو أن يصنع الإنسان في عقله عالماً موازياً، يعيش فيه بطلاً مطلقاً أو ضحية أبدية.
يتخيل مؤامرات لا وجود لها.
يتخيل نجاحات لم تتحقق.
يتخيل عداءً من الجميع، أو إعجاباً من الجميع.
الوهم التخيلي ليس خيالاً صحياً، بل هروب من مواجهة الواقع.
إنه مخدر نفسي مجاني.
وفي عصر المنصات الرقمية، أصبح الوهم التخيلي صناعة قائمة بذاتها. صورة معدلة، قصة منمقة، حياة مثالية مصطنعة. منصات مثل Instagram و TikTok خلقت بيئة مثالية لتغذية هذا الوهم؛ حيث يتم عرض أجمل اللحظات فقط، فيظن المشاهد أن الجميع يعيش في جنة، بينما هو وحده يعاني.
وهنا يبدأ الفقر النفسي في التفاقم.
العلاقة بين الفقر النفسي والوهم التخيلي
الفقير نفسياً يبحث عن تعويض.
والوهم التخيلي يقدم له التعويض المؤقت.
كلما ازداد شعوره بالنقص، ازداد هروبه إلى الخيال.
وكلما ابتعد عن الواقع، ازداد فقره الداخلي.
هي دائرة مغلقة: نقص → وهم → ابتعاد عن الواقع → مزيد من النقص.
أخطر النتائج
هشاشة في اتخاذ القرار
حساسية مفرطة للنقد
عدوانية دفاعية
انهيار سريع عند أول فشل
تعلق مرضي بالصورة العامة أمام الناس
وقد يصل الأمر إلى اضطرابات نفسية حقيقية إذا لم يتم كسر هذه الحلقة.
كيف نكسر الدائرة؟
إعادة تعريف النجاح… ليكون داخلياً لا استعراضياً.
تقليل المقارنات.
الاعتراف بالنقص بدلاً من إنكاره.
البحث عن معنى حقيقي للحياة، لا مجرد مظهر خارجي.
تقوية الوعي الذاتي.
القوة ليست في أن تبدو غنياً…
بل في أن تكون مكتفياً.
كلمة أخيرة
الفقر المادي قد تعالجه الدولة.
لكن الفقر النفسي لا يعالجه إلا الوعي.
والوهم التخيلي قد يمنحك بطولة على شاشة عقلك، لكنه يسلبك بطولة الواقع.
فلننتبه…
فليس كل من يضحك سعيداً،
وليس كل من يملك ثرياً،
وليس كل من يتخيل يعيش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *