أثر لا يصنعه الزمن بل يصنعه الإنسان نفسه

أثر لا يصنعه الزمن بل يصنعه الإنسان نفسه
بقلم/ناني عادل
كل إنسان يترك خلفه أثرا لا يحدده عمره ولا ماضيه ولا عدد الأيام التي عاشها بل تحدده الطريقة التي مرّ بها في حياة الآخرين فهناك من يمر كنسمة خفيفة لا تكاد تُشعر بوجودها وهناك من يترك أثرا يشبه نقشا على حجر لا يزول مهما حاول الزمن محوه وهذا الأثر لا يُصنع بالقوة ولا بالشهرة بل يُصنع بالشخصية التي تحمل صدقها حتى النهاية
الإنسان الذي يصنع أثرا حقيقيا لا يبحث عن الإعجاب ولا يركض خلف التصفيق لأنه يعرف أن القيمة الحقيقية ليست في ما يقوله الناس عنه بل فيما يقدمه هو لنفسه ولمن حوله هذا الإنسان يبقى رغم رحيل كل شيء ويبقى رغم تبدل الظروف لأن أثره ينتقل من قلب إلى قلب ومن موقف إلى آخر وكأنه شعلة صغيرة لا تنطفئ مهما اشتدت الرياح
الأثر الذي نصنعه في الآخرين يبدأ من تفاصيل صغيرة من كلمة صادقة من موقف في وقت كان الجميع فيه غائبين من يد تمتد حين يشعر غيرك بأنه وحيد هذه التفاصيل البسيطة لا يلتفت لها الكثيرون لكنها تظل في ذاكرة من عاشها لأنها تشبه ضوءا ظهر فجأة وسط ظلام لم يتوقع أحد أن ينتهي
وهناك من يترك أثرا لأنه يشبه الثبات في عالم يتحرك بسرعة يشبه تلك الصخرة التي لا تتزحزح مهما ضربتها الأمواج يشبه ذلك الوجه الذي لا يتغير مهما تغيرت الوجوه حوله وهذا الاثر يصنعه الإنسان حين يختار ألا يبدل مبادئه من أجل أي مكسب وحين يصر على أن يظل كما هو مهما حاول العالم أن يدفعه ليكون غير ذلك
الأثر الحقيقي لا يحتاج لخطابات طويلة ولا لبطولات عظيمة فهو يصنع نفسه من خلال الصدق من خلال الاحترام من خلال العطاء دون انتظار المقابل من خلال القدرة على أن تكون إنسانا في وقت أصبح فيه الكثيرون يبحثون عن المظاهر قبل الجوهر وعن الصورة قبل الحقيقة لهذا هناك أناس يرحلون ويبقى أثرهم وأناس يبقون ولا يترك وجودهم شيئا
وأحيانا يكون الأثر الذي نصنعه بداخلك لا يراه أحد لكنه يغيرك من الداخل يجعل خطواتك أعمق ورؤيتك أوضح وقلبك أكثر نضجا لأن كل صدمة وكل خسارة وكل تجربة صنعت منك نسخة مختلفة نسخة أقوى وأهدأ وأقدر على فهم الحياة وهذا أيضا أثر لكنه أثر تتركه الأيام عليك كي تمشي وأنت تعرف من أصبحت
يبقى أثر الإنسان هو العلامة الوحيدة التي تثبت أنه مر من هنا وأن وجوده لم يكن مجرد وقت عابر بل كان حياة كاملة تركت ما يكفي ليظل صداها ممتدا حتى بعد أن تغلق الستارة على كل شيء لأن أثمن ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس مالا ولا منصبا بل شعورا جميلا في قلب أحدهم



