منوعات

خطوات لا تشبه أحد بقلم/مرينا حسن

خطوات لا تشبه أحد

بقلم/مرينا حسن

في كل موسم تتغير الموضة وكأن العالم يعيد ترتيب مزاجه العام عبر خيوط وأقمشة وألوان لكنها في حقيقتها أعمق من مجرد صيحات تأتي وترحل إنها اللغة الصامتة التي تختار بها كل امرأة كيف تقدّم نفسها للعالم وكيف تصنع حضورها لحظة بلحظة دون أن تنطق بكلمة واحدة فالملابس ليست ما نرتديه وحسب بل ما نقوله دون أن نقصد وما نعنيه دون أن نشرح وما نتركه من أثر في أول نظرة
الموضة اليوم لم تعد ساحة تفرض فيها العلامات الكبرى ذوقها بل تحولت إلى مساحة واسعة تتسع لكل شكل ولكل روح ولكل سيرة ذاتية تمشي على قدمين لم تعد المرأة تبحث عن تقليد أيقونة أو صورة بل تبحث عن المسافة الخاصة التي تُعرّفها عن الآخرين وتمنحها توقيعها الشخصي حتى لو كان بسيطاً حتى لو كان خيطاً إضافياً أو لوناً مختلفاً أو قطعة اختارتها لأنها تشبه إحساس يومها
ومع هذا التحول أصبحت الموضة مرآة دقيقة تكشف ما بين السطور فامرأة تختار الأسود ليست كمن تختار الأخضر وامرأة ترتدي القصّات الواسعة ليست كمن تبحث عن التفاصيل الحادة كل اختيار له معنى كل نبرة في الملابس تحمل رسالة حتى لو بدت عابرة الموضة لم تعد زخرفة خارجية بل قراءة داخلية لما يحدث في النفس وما يتغير في العالم من حولنا
ومع تسارع الحداثة أصبحت القطع البسيطة أقوى من الصرخات المبالغ فيها فأحياناً يكفي قميص أبيض ليقول ما لا يقوله فستان كامل ويكفي جينز ذو قصة صامتة ليحمل ثقة أكبر مما تمنحه عشر طبقات من الزينة الموضة الحقيقية ليست ما يلفت النظر لكنها ما يجعل المرأة مرتاحة في جلدها وفي خطواتها وفي حركتها اليومية دون أن تفقد ذاتها وسط الزحام
تغيرت قواعد اللعبة لم تعد الأنوثة مرتبطة بفستان ولا القوة مرتبطة ببذلة رسمية بل أصبحت الموضة حواراً مفتوحاً كل امرأة تكتبه وفق فهمها لذاتها لا وفق اتجاهات السوق وهذا ما صنع موجة “الأصالة الشخصية” التي باتت أقوى من كل الترندات فالعالم صار يدرك أن الجاذبية ليست في الثوب بل في صاحبة الثوب في الطريقة التي تمسك بها حقيبتها في الطريقة التي ترفع بها شعرها في ثقتها قبل ألوان ملابسها
ومع صعود التكنولوجيا واندماجها في الموضة باتت القطعة الواحدة تحمل تاريخاً من التجارب من التصميمات المستدامة إلى الأقمشة الذكية إلى الحركات العالمية التي تدعو لشراء أقل وارتداء أكثر وخلق انسجام بين الذوق والوعي والاختيار المسؤول الموضة أصبحت جزءاً من قصة أكبر تتجاوز الجمال التقليدي إلى حضور يراعي البيئة ويحترم الجسد ويفهم القيمة قبل السعر
ووسط كل هذا تبقى أهم حقيقة أن الموضة ليست حكراً على أحد إنها مساحة مفتوحة لمن يريد أن يكون مختلفاً لمن يرفض القوالب ولمن يؤمن أن الملابس مجرد بداية لقصة أكبر تكتب في كل خطوة وأن البساطة حين تكون نابعة من ذوق صادق قادرة على أن تهزم أفخم قطعة تحمل توقيع أشهر المصممين لأن الموضة في جوهرها ليست ماركة ولا موسم بل إحساس صادق يستطيع أن يعكس أعماق شخصية لا تتكرريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *