مقالات

من الحليف إلى التابع… كيف تُصنع التبعية في الشرق الأوسط؟

الدكتور مجدي العفيفي رئيس تحرير دار اخبار اليوم

،،،،،،،،،
ليست المشكلة أن أمريكا قوية.
القوة في النظام الدولي حقيقة قديمة قدم الإمبراطوريات.
المشكلة أن المنطقة لم تحسم سؤالها الوجودي بعد: هل تريد أن تكون شريكًا… أم تبحث عن راعٍ؟
تُسمّي واشنطن الأنظمة العربية “حلفاء”.
كلمة براقة. أنيقة. دبلوماسية..لكن التحليل البارد يكشف أن كثيرًا من هذه العلاقات لا يقوم على تحالف متكافئ، بل على اختلال بنيوي في ميزان القوة.
حين يُسمّى الارتهان تحالفًا
ليست الكارثة أن تكون أمريكا قوية.
الكارثة أن تُقنعك بأن ضعفك قدر، وأن حاجتك إليها طبيعة الأشياء.
في الشرق الأوسط لا تُدار السياسة بلغة المصالح المتكافئة، بل بلغة الطمأنينة المشروطة. تُمنحك واشنطن ابتسامة الحليف، وتضع على كتفيك يد الصديق، ثم تهمس في أذنك: أمنك عندي. سلاحك عندي. غطاؤك الدولي عندي. ثم تتركك تتأمل المعادلة وحدك… وتختار.
تسميها تحالفًا.. ويسمّيها الواقع اختلالًا في ميزان القوة.
الحليف الحقيقي لا يخاف من استقلال شريكه. لا يقلق إذا نوّع مصادر سلاحه. لا يضطرب إذا أقام تكتلًا إقليميًا صلبًا. لكن ما يحدث في منطقتنا أن كل خطوة نحو استقلال القرار تُقرأ كتمرد، وكل محاولة لبناء قوة ذاتية تُواجَه بالتحذير الناعم: “الاستقرار أولًا”.
وأي استقرار هذا الذي يقوم على هشاشة دائمة؟
لقد نجحت واشنطن في تحويل الأمن إلى سلعة سياسية.
تبيع الطمأنينة في إقليم قلق، وتُسعّر الحماية بحسب درجة الخوف. وكلما اشتعلت الجغرافيا، ارتفع ثمن المظلة. وهكذا تتحول الأزمات من كوارث يجب إنهاؤها إلى أوراق يجب إدارتها. لا تُحلّ الصراعات بالكامل، بل تُضبط إيقاعاتها، كي يبقى الجميع محتاجًا للوسيط الأكبر.
ليس الأمر مؤامرة هوليوودية. إنه منطق قوة بارد.
لكن النار الحقيقية ليست هناك.. بل هنا.
هنا حيث لم يتحول النفط إلى معرفة، ولا الثروة إلى صناعة، ولا الجغرافيا إلى تكامل.
هنا حيث تخاف العواصم من بعضها أكثر مما تخاف من الخارج،
وحيث يُفضَّل الاتكاء على قوة بعيدة بدل بناء جدار إقليمي مشترك.
الارتهان لا يُفرض دائمًا بالقوة.
أحيانًا يُختار خوفًا من المجهول.
كل نظام في المنطقة يضع بقاءه في المرتبة الأولى، ويبحث عن الضامن الأقدر على تثبيت الكرسي وسط العواصف. وأمريكا، بخبرتها الطويلة، تعرف كيف تقدّم نفسها كصمام أمان. لا تطلب الولاء بصوت مرتفع؛ يكفي أن تجعل البديل مكلفًا، أو غامضًا، أو محفوفًا بالفوضى.
وهكذا، يتحول مفهوم “الحليف” إلى صيغة مهذبة لاعتمادٍ طويل الأمد.
الأنظمة في المنطقة غالبًا تتحرك بمنطق “الاستقرار أولًا”. والاستقرار يُعرَّف أمنيًا، لا تنمويًا. وعندما يصبح البقاء السياسي هو الأولوية القصوى، فإن أي مظلة خارجية تتحول إلى ضرورة وجودية.. وهنا يتحول السؤال من اتهامٍ أخلاقي إلى تشخيص سياسي:
هل نحن أمام “خدمة” أم أمام “خيار بقاء” في بيئة إقليمية مفككة؟
لكن لنسأل السؤال الذي يخشاه الجميع:
لو قررت واشنطن غدًا أن أولوياتها في آسيا أهم، وأن الشرق الأوسط عبء زائد، ماذا يبقى؟
هل لدينا منظومة أمن جماعي عربية حقيقية؟
هل لدينا اقتصاد متكامل يجعل قرار العقوبات بلا أثر؟
هل لدينا صناعة عسكرية مستقلة؟
هل لدينا إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة؟
الصمت هنا أعلى من كل الخطب.
المأساة ليست أن أمريكا تدافع عن مصالحها؛ فالدول الكبرى خُلقت لتفعل ذلك.
المأساة أن المنطقة لم تُعرّف مصالحها تعريفًا جامعًا بعد.
نغضب من الخارج،
لكننا لا نسأل لماذا يجد موطئ قدمه بهذه السهولة.
نلعن “الهيمنة”،
لكننا لا نبني “القدرة”.
الحقيقة القاسية أن التحالف المتكافئ لا يُمنح هدية، بل يُنتزع انتزاعًا بقوة الاقتصاد، وبصلابة الجبهة الداخلية، وبمشروع حضاري يعرف ماذا يريد. أما حين يغيب المشروع، فإن أقصى ما يمكن الحصول عليه هو حماية مشروطة.
وهنا تشتعل النار:
لسنا أمام قدر تاريخي، بل أمام خيار طويل تم ترسيخه عامًا بعد عام. خيار يُفضّل الاستقرار الساكن على القوة المتحركة، والضمان الخارجي على المخاطرة بالبناء الداخلي.
إذا بقيت المنطقة تستهلك أمنها من الخارج، فستبقى جغرافيا تُدار لا فاعلًا يُدير.
وإذا لم تتحول الثروة إلى معرفة، والحدود إلى تكامل، والسيادة إلى مشروع، فإن كلمة “حليف” ستظل قناعًا أنيقًا لعلاقة غير متكافئة.
السؤال ليس لماذا تفعل أمريكا ذلك.
السؤال: متى تقرر المنطقة أن تفعل شيئًا مختلفًا؟
هنا يبدأ الاشتعال الحقيقي.
@@@@@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *