
فى قلب جاليرى “باشون”، يستقبل معرض “أشكال وألوان” زواره هذا الشهر بخمس منحوتات جديدة للفنان المصرى عمار شيحا، تجسد ملامح المهن المصرية الأصيلة، من بائع الأنابيب إلى بائع العيش والغنم، وصولاً إلى عمل رياضى يصوّر لاعب الجولف.
وبين هذه الأعمال المتنوعة، يبرز أسلوب شيحا الفريد الذى يواصل به رحلته المستمرة فى تحويل الخردة إلى فن ينبض بالحياة، ويعيد إلى الذاكرة صورًا من التراث الشعبى المصرى فى قالب معاصر.
فى الطابق الأول من منزله بقرية الحرانية بمحافظة الجيزة، حوّل شيحا غرفة واسعة إلى قاعة عرض تضم عشرات المنحوتات المعدنية المصنوعة من الحديد الخردة.
على مدى أكثر من عقدين، شارك شيحا فى معارض داخل مصر وخارجها، من فرنسا وإيطاليا إلى المملكة العربية السعودية، وتمثل أعماله عنصر جذب للزبائن من المصريين والأجانب الذين يشترونها لتزيين مداخل الفنادق والمنشآت السياحية والشركات والمنتجعات.
وتتنوع أحجام هذه القطع بين منحوتة يبلغ ارتفاعها ثمانية أمتار معروضة فى منتجع مراسى بالساحل الشمالي، وأخرى لا يتجاوز ارتفاعها 12 سنتيمترًا.
يقول شيحا إن علاقته بالخردة بدأت بالصدفة فى أواخر التسعينات، عندما شاهد تمثالين من الحديد الخردة فى متحف الفن المصرى الحديث بدار الأوبرا، من أعمال الفنان الراحل صلاح عبد الكريم، رائد هذا الاتجاه فى مصر.
تأثر شيحا بالتجربة، وكانت أولى محاولاته ديكًا صغيرًا من الخردة فاز عنه بجائزة، واقتناه وزير الثقافة المصرى آنذاك.
يستعين شيحا فى أعماله بقطع غيار السيارات والدراجات النارية والدراجات العادية، إلى جانب مخلفات ورش الحديد والألومنيوم والنحاس والفولاذ، وكذلك المسامير والمفكات والبراغى والصواميل وأقراص تقطيع المعادن. “البعض يدفع المال للتخلص منها… وأنا أدفع المال للحصول عليها”، كما يقول مبتسمًا.

فى حديثه عن فلسفته الفنية، يؤكد” أرى الجمال فيما يراه الآخرون مجرد بقايا مهملة. كل قطعة حديد صدئة أو جزء مكسور تحمل قصة تستحق أن تُروى من جديد”. ويضيف أن أعماله ليست مجرد تماثيل، بل حوار بين الماضى والحاضر، بين ما تم استهلاكه وانتهى وما يمكن أن يولد من جديد بصورة أكثر جمالًا وتأثيرًا”.
ويحرص شيحا على أن تحمل منحوتاته رسالة بيئية واضحة: “الخردة التى يراها الناس عبئًا يمكن أن تتحول إلى شيء مفيد وجميل. تغيير نظرتنا السلبية للخردة هو رسالتي”
ويرى أن الفن قادر على إحداث هذا التحول، إذ يمنح الأشياء المنسية قيمة جديدة وعمقًا بصريًا يدهش المتلقي، مهما كان مستواه التعليمى أو خلفيته الفنية.

فى معرض “أشكال وألوان”، يقدم شيحا خلاصة مسيرته الممتدة: أعمال تُجسّد الكفاح فى المهن الشعبية، وأخرى تستعيد روح الريف المصري، بينما تدعو التجربة برمتها إلى النظر إلى الخردة بعين مختلفة، عين ترى فى الصدأ حياة أخرى تستحق أن تُكتشف.



