
بقلم: المخرج محمود محمود.
بدأت كتابة “موشا” منذ عشرين عاما.
أكتب هذه الجملة فأشعر أنني لا أتحدث عن الزمن الذي استغرقته كتابة فيلم، بل عن عمر كامل نشأ فيه الفيلم إلى جواري. خلال هذه السنوات تغيرت السينما، وتغير العالم، وتغيرت أنا، وظل “موشا” يتغير معي من دون أن يتخلى عن السبب الأول الذي كتب من أجله.
كنت أظن في البداية أنني اخترت فكرة فيلم، ثم اكتشفت مع مرور الوقت أن بعض الأفلام لا نختارها بإرادتنا الكاملة، بل تقترب منا ببطء، وتختبر قدرتنا على حملها، ثم تستقر في حياتنا قبل أن ننتبه إلى أنها أصبحت جزءا منها.
ليس كل فيلم يكتبه المخرج يختاره بالمعنى الحقيقي. أحيانا يظن أنه عثر على الفكرة، بينما تكون الفكرة هي التي عثرت عليه. تختاره لأنها وجدت في مخاوفه وأسئلته وذاكرته المكان الذي تستطيع أن تعيش فيه. وبعد ذلك لا تعود العلاقة بينهما علاقة مؤلف بنص، بل علاقة إنسان بشيء يعرف عنه ما لا يريد دائما أن يعرفه عن نفسه.
ربما لهذا بقي “موشا” معي كل هذه السنوات.
لا أحتفظ بالنسخة الأولى من السيناريو باعتبارها نصا قديما فقط، بل باعتبارها صورة للرجل الذي كنت عليه حين بدأ الفيلم. ثم جاءت نسخ أخرى كثيرة، وفي كل نسخة كنت أحذف شيئا مني وأضيف شيئا مما تعلمته. تغيرت المشاهد، ونضجت الشخصيات، واختلف إيقاع الحكاية، لكن روح الفيلم ظلت تقاوم كل تعديل يمكن أن يبعدها عن حقيقتها.
ربما لهذا لم أشعر يوما أنني أعيد كتابة “موشا”. كنت أشعر أنني أحاول الوصول إليه.
ومع كل نسخة جديدة، لم يكن السؤال: كيف أجعل الفيلم أفضل فقط؟ بل: هل ما زلت أسمعه كما سمعته أول مرة؟ هل اقتربت منه، أم غطيته بما تعلمته خلال السنوات؟ وهل خبرتي التي ازدادت جعلتني أكثر قدرة على رؤيته، أم أكثر براعة في الاختباء منه؟
هناك أفلام يكتبها المخرج، وهناك أفلام يقضي المخرج سنوات طويلة محاولا اكتشاف الصورة التي كانت مختبئة داخلها منذ البداية. ومع “موشا” لم تكن الكتابة هي البحث الوحيد. صنعت له تصورا إخراجيا كاملا، وبنيت عالمه البصري، وأعددت لوحات المزاج والمراجع البصرية، وتخيلت أماكن التصوير، وتصميم الديكور، وشكل الفضاءات، وألوان كل مرحلة من مراحله.
فكرت في الملابس لا باعتبارها ما ترتديه الشخصيات، بل باعتبارها جزءا من تاريخها وصمتها. وضعت تصورات للإضاءة، ودرست اختلافها بين الواقع والحلم، وبين الأرض والذاكرة، وبين ما تراه العين وما تخفيه الشخصية داخلها. تخيلت حركة الكاميرا، وأحجام اللقطات، وتكوين الكادر، واختيار العدسات، وملمس الصورة، ودرجات الألوان، وطبيعة الانتقال من مشهد إلى آخر.
تكونت لدي رؤية للديكور والإكسسوارات، ولطبيعة المواقع، ولشكل الصحراء والبيوت والطرق، وللعلاقة بين الإنسان والمكان. فكرت في تصميم الصوت، وفي الأصوات التي ينبغي أن نسمعها قبل أن نرى مصدرها، وفي المساحات التي يحتاج فيها الفيلم إلى الصمت أكثر من حاجته إلى الموسيقى. تخيلت إيقاع المونتاج، ونبرة الأداء، واختيار الممثلين، وحركة الجسد داخل الكادر، وحتى اللحظات التي لا ينبغي للممثل فيها أن يفعل شيئا.
درست العلاقة بين الشخصية والمكان، وبين الكادر وما يقع خارجه، وبين ما يقال وما يبقى محبوسا داخل الصمت. تخيلت شكل الانتقالات بين الأزمنة، وطبيعة المشاهد الحلمية، وكيف يمكن للصورة أن تتحول من الواقع إلى الخيال من دون أن يشعر المشاهد أنه غادر العالم نفسه. وضعت تصورات للوحة الألوان، والملمس البصري، والإيقاع الداخلي لكل فصل، وللكيفية التي يجب أن يتغير بها الضوء كلما اقتربت الشخصيات من حقيقتها.
رأيت مشاهد كثيرة من الفيلم في أحلامي.
لم تكن أحلاما أستيقظ منها لأبحث عن معناها، بل مشاهد مكتملة: مكان، وإضاءة، وحركة، ووجه، وصوت. أحيانا كنت أستيقظ وأنا أعرف أين يجب أن توضع الكاميرا، أو كيف تنتهي لقطة ظلت سنوات بلا نهاية. كنت أدون ما أتذكره سريعا، كأن الفيلم استغل نومي ليواصل كتابة نفسه حين أتوقف أنا عن الكتابة.
كانت بعض المشاهد تأتي في الحلم أوضح مما تأتي في الكتابة. أرى ممرا لم أزره، أو وجها لم أختره بعد، أو حركة كاميرا لا أعرف كيف وصلت إلى ذهني. أستيقظ وفي داخلي شعور غريب بأن الفيلم سبقني مرة أخرى، وأنه يعرف صورته أكثر مما أعرفها أنا.
وبمرور الوقت، لم يعد “موشا” سيناريو ينتظر التنفيذ. لقد تم تصويره داخلي مرات كثيرة. رأيت بدايته ونهايته، وشاهدت شخصياته تمشي في أماكن لم نبنها بعد، وسمعت أصواتا لم تسجل، وحزنت على مصائر لم يمثلها أحد.
وربما لهذا يصبح تأجيل الفيلم أكثر تعقيدا من تأجيل أي مشروع آخر؛ لأن العالم الذي لم يره أحد يكون قد عاش بالفعل داخل مخرجه.
من الخارج يبدو الفيلم مجموعة أوراق ورسومات وخطط وملاحظات. لكن من الداخل يصبح مكانا حقيقيا يعود إليه صاحبه كل يوم. مكانا يعرف طرقه، وبيوته، ووجوه أهله، حتى إن تأجيله لا يشبه تأجيل العمل، بل يشبه منع إنسان من العودة إلى مكان يعرف أنه موجود، لكنه لا يستطيع الوصول إليه.
ومع طول الانتظار، نشأت بيني وبين “موشا” حالة يصعب شرحها بلغة الصناعة.
أحيانا أشعر أن الفيلم يراقب ما أفعله. لا بمعنى خرافي، بل بالمعنى الذي تصبح فيه الفكرة القديمة مقياسا خفيا لكل خطوة جديدة. كل فيلم صنعته بعده كان يعيدني إليه. كل تجربة إخراجية كانت تضع أمامي سؤالا: هل أصبحت الآن مستعدا؟ وهل ما تعلمته يقربني منه، أم يمنحني مبررا آخر لتأجيله؟
وفي أوقات كثيرة شعرت أنه يعاتبني.
لا أسمع صوتا، ولا أتخيله شخصا يجلس أمامي، لكنني أعرف هذا العتاب حين أفتح ملفاته بعد غياب، أو أجد رسما قديما، أو أقرأ مشهدا كتبته منذ سنوات. أشعر أن الفيلم لا يسألني لماذا لم أنتجه فقط، بل يسألني لماذا تركته ينتظر بينما كنت أؤكد لنفسي في كل مرة أن موعده اقترب.
العتاب هنا لا يأتي من الفيلم وحده. ربما يأتي من النسخة القديمة مني، من ذلك المخرج الشاب الذي بدأ الكتابة وهو يظن أن الحماسة تكفي كي تعبر الأفلام إلى الشاشة. أعود إلى أوراقه فأشعر أنه ينظر إلي ويسألني: ماذا فعلت بكل هذه السنوات؟ هل حميت الفيلم حقا، أم أصبحت بارعا في تفسير تأجيله؟
لهذا لا أعرف أحيانا من يعاتب من.
هل أعاتب الصناعة لأنها لم تر ما رأيته؟ أم أعاتب نفسي لأنني لم أجد بعد الطريق الذي يجعلها تراه؟ هل يطالبني “موشا” بأن أحميه، أم يطالبني بأن أتوقف عن حمايته إلى الدرجة التي تمنعه من الحياة؟
لم يكن العائق أن الفيلم يحتاج إلى إنتاج ضخم. “موشا” ليس من الأفلام التي تستعرض ميزانيتها على الشاشة، ولا يقوم على أعداد هائلة من الممثلين أو المواقع أو المؤثرات. اتساعه ليس في حجم الإنفاق، بل في الفكرة والعالم والطريقة التي تروى بها الحكاية. ويمكن إنتاجه بصورة واقعية ومنضبطة من دون أن يفقد طموحه أو فرادته.
كما أنني لم أره يوما فيلما منعزلا عن الجمهور.
منذ البداية كنت مؤمنا بأنه يستطيع أن يحقق نجاحا جماهيريا، لا لأنه يقدم وصفة مألوفة، بل لأنه يخاطب شيئا قديما وعميقا داخل الإنسان. يحمل الفيلم المغامرة والحلم والأسطورة والبحث والخوف والرغبة في النجاة، لكنه لا يقدمها في صورة مستعارة من سينما أخرى. إنه ينطلق من أرضنا وذاكرتنا وأسئلتنا، ويحاول أن يصنع منها عالما يدخل إليه المشاهد، لا فكرة يطلب منه أن يفسرها.
لا أؤمن أن الفيلم المختلف يجب أن يكون بعيدا عن الناس، ولا أن العمق نقيض المتعة. المشاهد يستطيع أن يدخل الفيلم من باب الحكاية والمغامرة، ثم يكتشف داخله أسئلة أخرى. يستطيع أن يتبع الشخصيات، ويخاف عليها، وينتظر مصيرها، من دون أن يشعر أن الفيلم يختبر ثقافته أو يطلب منه أن يفك رموزه.
لكن هذا النوع من الأفلام لم يقدم من قبل بالصورة نفسها في السينما المصرية، ولا أظن أنه قدم في السينما العربية على هذا النحو. وربما كانت هذه قوته، وكانت أيضا الصعوبة التي رافقته. فالصناعة تطمئن عادة إلى ما تستطيع مقارنته بشيء سبق نجاحه، بينما لا يمنح “موشا” من يقرأه هذه الطمأنينة. لا يمكن وضعه بسهولة داخل خانة مألوفة، ولا تقديمه باعتباره نسخة محلية من فيلم أجنبي.
وهنا تبدأ المسافة بين الفيلم والصناعة.
في كل مرة قدمت فيها “موشا”، كنت أكتشف أن بعضهم لا يبحث أولا عما يمكن أن يضيفه الفيلم إلى السينما، بل عما يشبهه في السوق. يريد مثالا سابقا يضمن الطريق، بينما جاءت فكرة الفيلم أساسا من الرغبة في السير في طريق لم يفتح بعد. وحين لا يجدون له شبيها، يصبح الاختلاف الذي أراه فرصة سببا للخوف.
الصناعة لا تخاف دائما من الفيلم السيئ. أحيانا تخاف أكثر من الفيلم الذي لا تعرف كيف تسميه. فالفيلم المألوف، حتى إن فشل، يمكن تفسيره. أما الفيلم الذي لا يشبه ما سبقه، فيضع الجميع أمام مسؤولية الاختيار من دون ضمانات.
مر الفيلم خلال عشرين عاما على قراءات ونقاشات ومحاولات ووعود وأبواب كثيرة. وفي كل مرة كان يعود إلي محملا بالسؤال نفسه: هل يجب أن أغيره حتى يصبح مقبولا داخل الصناعة، أم أحميه حتى تجد الصناعة طريقها إليه؟
غيرت في السيناريو كثيرا، لكنني رفضت أن أغير سببه. طورت البناء، وراجعت الشخصيات، وأعدت النظر في التفاصيل، لكنني لم أرد أن أحوله إلى فيلم آخر فقط كي يصبح مألوفا. فهناك فارق بين تطوير العمل وخيانته، وبين أن تنضج رؤيتك وأن تتخلى عنها.
ولا أعتقد أن كل ما كتبه المخرج مقدس. السينما لا تعرف النصوص المقدسة، والمخرج الذي لا يراجع نفسه لا يصنع فيلما، بل يصنع تمثالا لغروره. لكن المراجعة الحقيقية يجب أن تجعل الفيلم أقرب إلى جوهره، لا أقرب إلى مخاوف الآخرين منه.
وفي كل مرة كنت أغير فيها شيئا، كنت أشعر أن “موشا” يختبرني. بعض التعديلات كان يقبلها بسهولة، فأعرف أنها كانت ضرورية منذ البداية. وبعضها كان يجعل النص يبدو أكثر ترتيبا، لكنه أقل حياة. عندها كنت أشعر أن الفيلم يرفض النسخة الجديدة، لا لأنه كائن يقرر، بل لأن منطقه الداخلي كان يكشف لي أنني اقتربت من السوق وابتعدت عنه.
خلال هذه السنوات صنعت أفلاما أخرى، وعشت تجارب مختلفة، وتغير فهمي للإخراج والصورة والزمن والممثل. كان من الطبيعي أن ينعكس ذلك كله على “موشا”. لكنه ظل العمل الذي أعود إليه بعد كل تجربة، كأن الأفلام الأخرى كانت تدرب يدي وعيني على الاقتراب منه.
في بعض اللحظات كنت أظن أنني ابتعدت عنه نهائيا. أنشغل بفيلم آخر، أو أعيش تجربة جديدة، أو أقرر أن أضعه جانبا حتى تتغير الظروف. ثم يظهر فجأة في مكان لا أتوقعه: في وجه عابر، أو طريق صحراوي، أو جملة أسمعها، أو حلم يعيد إلي مشهدا نسيت أنني كتبته.
عندها كنت أفهم أن الابتعاد عنه لم يكن حقيقيا. كنت فقط أحاول أن أعيش فترة من دون أن أشعر بثقله.
وربما لم تكن السنوات العشرون كلها انتظارا. ربما كانت جزءا من إعداد المخرج الذي يستطيع أن يصنع هذا الفيلم.
لكن هذه الفكرة، على جمالها، لا تكفي لتخفيف قسوة الزمن. فلا أستطيع أن أقول إن كل تأخير كان ضروريا، ولا أن أحول العجز إلى حكمة فقط كي أستطيع احتماله. بعض السنوات علمتني، وبعضها مر فقط. بعض الأبواب كان يجب أن يغلق، وبعضها ربما لم أطرقه بالقوة الكافية.
هناك لحظات يصبح فيها الصبر قريبا من العجز، ويصعب على الإنسان أن يعرف هل ما يفعله وفاء لحلمه، أم خوف من الاعتراف بأنه لم يستطع تحقيقه. وقد سألت نفسي مرات كثيرة: هل أحمي “موشا”، أم أختبئ خلف رغبتي في حمايته؟ هل أنتظر اللحظة المناسبة، أم أن اللحظة المناسبة لا تأتي إلا حين نقرر أن نصنعها؟
أحيانا أشعر بالذنب تجاهه.
أعرف أن الفيلم لا يشعر، لكن المخرج يشعر نيابة عنه. يشعر تجاه مشاهده التي لم تصور، وتجاه شخصياته التي ظلت معلقة بين الورق والوجود، وتجاه الأماكن التي صممها ولم يدخلها أحد. يشعر كأنه وعد عالما كاملا بالحياة، ثم تركه واقفا خلف باب مغلق.
وهذه هي الحالة النفسية الأصعب في العلاقة بين المخرج وفيلمه المؤجل: أنه لا يستطيع أن يحزن عليه باعتباره شيئا مات، لأنه ما زال حيا داخله، ولا يستطيع أن يفرح به باعتباره شيئا ولد، لأنه لم يصل بعد إلى الشاشة.
يظل الفيلم في منطقة بين الوجود والغياب.
موجودا بما يكفي كي يلاحقك، وغائبا بما يكفي كي تشك في قدرتك على تحقيقه.
لا أملك إجابة نهائية.
كل ما أعرفه أنني لم أستطع التخلي عنه. حاولت أن أتعامل معه باعتباره واحدا من مشروعاتي، لكنه رفض هذه المكانة. كان يعود دائما باعتباره الفيلم الذي يقيس علاقتي بالسينما نفسها، ليس لأنه أفضل ما كتبته بالضرورة، بل لأنه أكثر ما كشف لي حدود إيماني بما أكتب.
ربما لهذا أعتقد الآن أن “موشا” هو الذي اختارني.
لم يخترني لأنني كنت الأقدر على صنعه، بل ربما لأنه عرف أنني لن أستطيع نسيانه. اختار في داخلي ذلك الجزء الذي يرفض التسوية حين تمس جوهر العمل، ثم تركني عشرين عاما أحاول أن أكون المخرج الذي يستحقه.
لكن اختياره لم يكن منحة فقط. كان عبئا أيضا.
فحين يختارك فيلم، لا يمنحك حق امتلاكه كاملا. يضعك تحت مسؤوليته. تصبح مطالبا بأن تحميه من خوفك، ومن غرورك، ومن استعجالك، ومن الآخرين، ثم تحميه أيضا من حمايتك الزائدة. لأن الفيلم قد يموت أحيانا من التنازلات، وقد يموت كذلك من الانتظار الطويل باسم النقاء.
بعد عشرين عاما، لم يعد السؤال بالنسبة إلي: هل سيصنع “موشا”؟
السؤال الذي يشغلني هو: بأي رجل سأدخل إلى موقع تصويره حين يبدأ؟ هل سأكون المخرج الذي تخيله منذ عشرين عاما، أم الرجل الذي صنعت السنوات منه شخصا آخر؟ وهل احتفظ الفيلم خلال هذا الزمن ببراءته الأولى، أم حمل هو أيضا آثار الانتظار؟
وأتساءل أحيانا: حين أقف في أول يوم تصوير، هل سأشعر أنني بدأت الفيلم، أم أنني وصلت متأخرا إلى فيلم بدأ من دوني منذ زمن؟
ربما ستكون اللحظة الأولى أمام الكاميرا أقل شبها بالبداية وأكثر شبها بلقاء طويل تأخر موعده. ربما أنظر إلى الممثلين والمكان والضوء، وأشعر أنني رأيت كل ذلك من قبل، في نسخة قديمة من النص، أو في حلم، أو في صورة عاشت في ذهني سنوات ولم يعرفها أحد.

ربما لن يعرف المشاهد، حين يرى الفيلم يوما، أن بعض لقطاته بدأت في حلم قديم، وأن بعض مشاهده عبر عشرات النسخ قبل أن يصل إليه، وأن إضاءة وجه، أو حركة كاميرا، أو لحظة صمت، ظلت محفوظة في ذهن مخرجه أعواما طويلة.
وليس مطلوبا منه أن يعرف.
يجب أن يدخل المشاهد إلى الفيلم خفيفا، بلا عبء العشرين عاما التي سبقته. يجب أن يرى الحكاية، لا معركة صناعتها، وأن يعيش العالم، لا أن يحمل تاريخ انتظاره. أما أنا فسأدخل إليه محملا بكل شيء: بالنسخة الأولى، وبالأوراق الممتلئة بالملاحظات، وبالصور والمراجع، وبالأماكن التي زرتها أو تخيلتها، وبالأحلام التي استيقظت منها بحثا عن قلم، وبكل مرة اعتقدت فيها أن الفيلم أصبح قريبا ثم عاد إلى مكانه.
سأدخل إليه محملا أيضا بعتابه.
بذلك السؤال الصامت الذي ظل يرافقني طوال هذه السنوات: لماذا لم تبدأ بعد؟
ولا أعرف ماذا سأقول له حينها. ربما لن أحتاج إلى قول شيء. ربما يكون تشغيل الكاميرا هو الاعتذار الوحيد الذي يفهمه الفيلم.
لهذا لا أكتب عن “موشا” باعتباره فيلما لم ينتج.
أنا أكتب عن فيلم اختار مخرجه، ثم ظل عشرين عاما يربيه ويختبره ويعاتبه، حتى أصبح كل واحد منهما جزءا من سيرة الآخر.
فيلم استمر تصويره داخلي طوال هذه السنوات، ولم يبق إلا أن تبدأ الكاميرا.



