
بقلم سحر سعيد
قراءة نقدية في بحث «المسرح عند المصري القديم»
إعداد: د. أحمد حافظ
باحث وناقد
أولًا: مدخل عام – لماذا نعيد فتح هذا الملف؟
لا يثير موضوع «المسرح عند المصري القديم» مجرد فضول تاريخي، بل يفتح جرحًا معرفيًا قديمًا في الوعي العربي، يتمثل في سؤال: من أين بدأ المسرح؟
وهل نحن ورثة حضارة أنتجت الفعل المسرحي، أم مجرد متلقين لفن وُلد في أثينا ثم هبط علينا لاحقًا؟
بحث الدكتور أحمد حافظ لا يأتي بوصفه محاولة استعراضية لتاريخ منسي، بل بوصفه موقفًا نقديًا واعيًا في مواجهة سردية غربية طالما احتكرت «بداية المسرح»، وأقصت الحضارات الشرقية – وعلى رأسها الحضارة المصرية – من مشهد التأسيس، مكتفية بإلحاقها بدور الطقس أو الشعيرة البدائية.
ثانيًا: وضوح الأهداف وجرأة الفرضية
يحسب للبحث وضوح هدفه منذ البداية:
رصد حركة المسرح عند المصري القديم، لا بوصفه طقسًا غامضًا، بل بوصفه فكرًا دراميًا مكتمل الأركان.
أما الفرضية التي يطرحها الباحث فهي جريئة ومزدوجة الأثر:
1.أثر إيجابي يتمثل في استعادة الثقة الحضارية لدى المصريين والعرب وشعوب العالم الثالث، من خلال تأكيد أن جذور المسرح ليست حكرًا على الغرب.
2. أثر سلبي معاصر يتمثل في تراجع المسرح في العصر الحديث نتيجة هيمنة التكنولوجيا، بما يجعل المقارنة بين «مسرح حي نشأ في قلب العقيدة» و«مسرح معاصر فقد جمهوره» مقارنة كاشفة لا تخلو من الألم.
وهنا يتجاوز البحث كونه تاريخيًا، ليصبح نقدًا حضاريًا ضمنيًا للواقع الثقافي الراهن.
ثالثًا: الإشكالية بين التاريخ والهيمنة المعرفية
الإشكالية المركزية التي يعالجها البحث – هل المسرح مصري أم إغريقي؟ – ليست إشكالية علمية خالصة، بل هي إشكالية سلطة معرفية.
فالهجوم المضاد الذي يشير إليه الباحث من بعض المؤرخين الغربيين لا يستند دائمًا إلى غياب الدليل، بل إلى إعادة تعريف المسرح ذاته بطريقة إقصائية:
إذا كان المسرح هو ما كُتب باليونانية = فهو إغريقي.
وإذا كان مرتبطًا بالعقيدة = فهو طقس لا يرقى إلى المسرح.
وهنا تكمن خطورة هذا المنطق، وهو ما ينجح البحث في فضحه عبر تتبع النصوص المصرية التي تحمل:
🔥شخصيات
🔥حوار
🔥صراع
🔥تسلسل درامي
🔥أماكن عرض
🔥جمهور مشارك أو مشاهد
وهي مقومات لا يمكن إنكار مسرحيتها إلا بتعريف تعسفي للمسرح.
رابعًا: النصوص المكتشفة… من الطقس إلى الدراما
يعتمد البحث على شواهد قوية، أبرزها:
✨لوحة إدفو (تمثيلية بدء الخليقة المنسية)
✨دراما انتصار حور على ست
✍️نص «السر» المكتشف في الرمسيوم عام 1896
✍️نصوص إحياء تتويج سنوسرت الأول
وهنا تتجلى نقطة قوة البحث:
فهو لا يكتفي بذكر النصوص، بل يربطها بسياقها الزمني، ويؤكد – عبر آراء الباحثين – أن تأريخها يعود إلى عصور مبكرة جدًا (الأسرة الثالثة أو الرابعة)، أي قبل نشأة المسرح الإغريقي بقرون.
كما يبرز الفارق الجوهري بين المسرحين:
💥المسرح الإغريقي: اجتماعي – سياسي – وعظي – أسطوري
💥المسرح المصري: عقائدي – وجودي – مرتبط بالبعث والخلود
وهذا الفارق لا ينفي المسرحية، بل يثري مفهومها.
خامسًا: علماء الآثار… من الإنكار إلى الاعتراف
يعرض البحث تطور موقف علماء الآثار من المسرح المصري، وهو عرض ذكي يكشف كيف أن العلم نفسه خضع للتحيز:
💫بنيديت (1900): يلمح إلى وجود عروض مسرحية دينية.
💫فيدمان (1905): ينكر وجود المسرح ويختزله في طقوس بدائية.
💫كورت زيتة: يقلب المعادلة بوثائق وبرديات دامغة.
💫دريوتون: يقرأ النصوص بوصفها أجزاء من مسرحيات مكتوبة.
💫ثروت عكاشة: يقدم التصنيف الأوضح بين:
✍️الحفلات الطقسية
✍️الدراما الدينية المكتملة
ويُعد استشهاد البحث برؤية ثروت عكاشة من أنضج نقاطه، لأنه يفصل بوضوح بين «الطقس» و«العرض المسرحي»، دون أن يسقط في فخ التبسيط.
سادسًا: المسرح والشعب… علاقة حية لا نخبوية
من أبرز ما يميز المسرح المصري القديم – كما يقدمه البحث – أنه لم يكن حبيس المعابد:
* الشعب يشارك
* الفرق تجوب الأقاليم
* عروض تُقدَّم مقابل المال
* نصوص شعرية ونثرية
وهذا يقوض فكرة أن المسرح المصري كان جامدًا أو دينيًا صرفًا، ويؤكد أنه كان فنًا حيًا متجولًا، أقرب إلى مفهوم «المسرح الشعبي» المعاصر.
سابعًا: قراءة نقدية ختامية
يمكن القول إن بحث «المسرح عند المصري القديم» لا يكتفي بإثبات الوجود، بل يطالب بـإعادة كتابة تاريخ المسرح من منظور غير أوروبي.
ورغم أن بعض المناطق لا تزال يلفها الغموض – كما يعترف الباحث نفسه – فإن حجم الأدلة، وتراكم النصوص، وتعدد آراء العلماء، يجعل إنكار المسرح المصري القديم اليوم موقفًا أيديولوجيًا أكثر منه علميًا.
هذا البحث لا يدافع عن الماضي لمجرد الفخر، بل يدعونا إلى سؤال أخطر:
> إذا كان المصري القديم قد صنع مسرحًا حيًا بلا تكنولوجيا، فلماذا عجز إنسان القرن الحادي والعشرين – بكل أدواته – عن إنقاذ المسرح من الانهيار؟
سؤال يظل معلقًا…
تمامًا كما يظل المسرح، منذ فجر الحضارة، مرآةً للإنسان، لا للغرب وحده
تحياتي وتقديري لشخصكم الرائع د أحمد حافظ على هذا السرد العبقري
سحر سعيد



