كيف تعيق اللغة فهمنا للواقع والسياسة؟
د. طالب محمد كريم استاذ الفكر السياسي -الجامعة المستنصرية

ليس من السهل أن ننتبه إلى اللحظة التي يتحوّل فيها العقل إلى سجينٍ لعبارة. نكرّر الكلمات، ونثق بها، ثم نبني رؤيتنا للعالم من خلالها، ونقيس ما حولنا على ضوء مقولاتها دون أن نسأل: هل هي صحيحة؟ هل جُرّبت؟ هل هي وصف للواقع، أم قناعٌ يتوسّط بيننا وبينه؟ من هذا الباب، يمكن النظر إلى واحدة من أشهر القصص العلمية: غاليليو الذي أسقط الريشة والمطرقة، فأثبت أن الأجسام في غياب مقاومة الهواء، تسقط بالتسارع نفسه، بغضّ النظر عن كتلتها. هذا لم يكن مجرّد تصحيح لمعلومة فيزيائية، بل كان لحظة تحرّر العقل من قيد لغويّ وفكري ظلّ مهيمناً لألفي عام: أن (الثقيل يسقط أسرع من الخفيف). قالها أرسطو، فآمن بها العقل، وأغلق باب الاختبار.
الدرس العميق هنا لا يخص الفيزياء فقط، بل يمتد إلى طريقة فهمنا للمجتمع والسياسة والعالم. كم من مقولة اليوم تسكن وعينا الجمعي، تعمل كأنها حقيقة طبيعية، بينما هي في الأصل فرضية لغوية تحوّلت إلى قيد؟ نقول إن الشعوب غير ناضجة للديمقراطية، فنغلق باب الإصلاح.
نقول إن التعايش صعب في المجتمعات المتنوعة، فنكفّ عن المحاولة.
ونقول إن الفساد مستحكم ولا حل له، فنعيش الاستسلام باسم الواقعية.
نعلّق كل فشل على طبيعة (الناس)، أو (الشرق)، أو (العقل العربي)، أو (الظرف الدولي)، دون أن ننتبه إلى أن هذه كلها عبارات تحبس المشكلات في قوالب لغوية تمنع تحليلها.
كما كان الناس يرون الحجر يسقط أسرع من الريشة، ولم يكتشفوا أن السبب هو مقاومة الهواء، لا الوزن، فنحن أيضاً نرى ظواهر سياسية واجتماعية ونربطها بعللها الظاهرة (كالطبقة، والدين، والقبيلة، والهوية)، بينما الحقيقة قد تكون في موضع آخر تماماً: في طريقة تفكيرنا بها، لا في ذاتها. لا شيء أشد خداعاً من التفسير السهل حين يُقدَّم بوصفه حقيقة نهائية. وحين تتحوّل اللغة إلى تفسير نهائي، لا تعود أداة فهم، بل أداة قمع للخيال السياسي.
إن جزءاً كبيراً من عجز العالم السياسي عن حل مشكلاته لا يرجع إلى نقص الموارد أو غياب الإرادة، بل إلى القيود المفهومية التي تنظّم نظرتنا للعالم دون وعي منا. في العراق، مثلاً، نقول إن المحاصصة قدر، وأن الطائفية متجذّرة، وأن الناس لا يريدون التغيير. وحين يخرج جيل جديد يرفض هذه المقولات، يُتهم بأنه مثالي، أو غير واقعي، أو (لا يملك خبرة كافية). من أين جاءت هذه الأحكام؟ ما مصدرها؟ من قال إن المحاصصة قدر؟ من قرر أن النظام الديمقراطي لا يصلح؟ ومن صنّف الوعي الشعبي بأنه عاجز؟ إنّها ليست حقائق، بل جُمل تداولناها، حتى أصبحت كأنها قوانين طبيعية، تماماً كما ظنّ أرسطو أن الثقل يحكم سرعة السقوط.
في الفكر السياسي، تماماً كما في الفيزياء، يحدث الانفجار المعرفي حين نشكّ في المسلمات. لم يسقط غاليليو الريشة فقط، بل أسقط جملةً عاش العالم في ظلها قروناً. ونحن لن نخرج من أزماتنا المزمنة حتى نجرؤ على إسقاط الجُمل التي تمنعنا من الفهم والحركة. لا يكفي أن نطرح الحلول، بل علينا أولاً أن نسأل: هل اللغة التي نفكر بها تسمح لنا بتخيل الحل؟ أم أنها تُقصينا خارج الأمل منذ البداية؟ لأن من يُؤمن أن الواقع لا يتغير، لن يتحرك. ومن يُقنع نفسه أن الشعب عاجز، لن يخاطبه. ومن يرى أن الطائفية طبيعة، لن يبني وطناً. ومن يعتقد أن السيادة وهم، لن يصونها.
لا يبدأ التحرّر من القيود السياسية بإسقاط سلطة، بل بإسقاط المفردات التي جعلت هذه السلطة ممكنة. اللغة ليست محايدة. إنها إما أن تفتح الطريق، أو تزرع في العقل حاجزاً من التصنيفات والحتميات والقدريات. ولهذا، فإن أول مهمة للوعي هي أن يراجع اللغة. هل نقول ما نراه؟ أم نرى ما قيل لنا؟ هل نحن نعيد تفسير الواقع؟ أم نعيد تكرار تفسير قديم له؟
لقد اعتقد البشر طويلاً أن الريشة لا يمكن أن تسقط مع المطرقة في آنٍ واحد. كان عليهم أن يصنعوا الفضاء، ويفرغوه من الهواء، ليكتشفوا أن الريشة لا تفتقر إلى الكتلة، بل تعاني من ظرف محيط يمنعها من تحقيق إمكانيّتها. كذلك كثير من الناس والأفكار والمجتمعات: لا ينقصهم الثقل، بل يُثقلهم الهواء الثقافي من حولهم (التحيّز، القوالب، الازدراء، اللغة المهزومة). فالمشكلة لا تكمن في الأفراد أو الأفكار، بل في الوسط الذي يقيّد حركتهم ويشوّه نتائجهم.
هذا ما يجب أن نتعلّمه من غاليليو، لا فيزياؤه فقط، بل شجاعته المعرفية: أن لا نخاف من اختبار المقولة، وإن كانت قديمة، وإن بدت عقلانية، وإن قالها من هو أعظم منا. لأن الحقيقة لا تعرف عمراً، والعقل لا يحيا إلا بحرية نقد البداهة. فكل ريشة، إن أُتيح لها فضاء نظيف، تسقط في التوقيت نفسه مع المطرقة، وربما تنهض قبلها.



