الاعلامى الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : سوريا تصك عملة جديدة : هل هو إنقاذ للاقتصاد أم إعادة ترتيب للأزمة؟

الاعلامى الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب :
سوريا تصك عملة جديدة : هل هو إنقاذ للاقتصاد أم إعادة ترتيب للأزمة؟
في خطوة لافتة تحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية، أعلنت السلطات السورية عن إصدار عملة وطنية جديدة واستبدال العملة المتداولة، في محاولة لاحتواء التدهور النقدي الحاد الذي شهدته البلاد على مدار أكثر من عقد من الصراع والحصار الاقتصادي.
القرار فتح بابًا واسعًا من التساؤلات: لماذا الآن؟ وما الهدف الحقيقي من تغيير العملة؟ وهل يمكن أن ينعكس ذلك فعليًا على حياة المواطن السوري؟
أولا : لماذا قررت سوريا تغيير عملتها؟
جاء قرار صك العملة الجديدة مدفوعًا بعدة عوامل متراكمة، أبرزها:
1- التضخم وانهيار قيمة الليرة
شهدت الليرة السورية تراجعًا غير مسبوق، ما أدى إلى تضخم مفرط وارتفاع جنوني للأسعار، وأصبحت المعاملات اليومية تعتمد على أرقام ضخمة تُربك السوق والمواطن معًا. تغيير العملة، مع تقليص الأصفار، يهدف إلى تبسيط التداول النقدي دون المساس بالقيمة الفعلية.
2- سحب السيولة من السوق السوداء
تسعى الحكومة من خلال استبدال العملة إلى إجبار الكتلة النقدية المخزنة خارج الجهاز المصرفي على العودة للبنوك، وهو ما يمنح الدولة قدرة أكبر على مراقبة حركة الأموال والحد من الاقتصاد الموازي.
3- إعادة بناء الثقة في العملة الوطنية
بعد سنوات من فقدان الثقة في الليرة، تحاول السلطات تقديم العملة الجديدة كـ«بداية نفسية» مختلفة، سواء من حيث التصميم أو الرمزية، في محاولة لإعادة الاعتبار للعملة المحلية في مواجهة هيمنة الدولار والعملات الأجنبية.
4- تغيير الرموز لا السياسات
العملة الجديدة جاءت بتصميم مختلف، يعتمد على رموز وطنية وطبيعية بدل الرموز السياسية، في رسالة واضحة مفادها أن الدولة تسعى إلى فصل النقد عن الصراع السياسي، ولو شكليًا.
ثانيا” : كيف تم تنفيذ تغيير العملة؟
أعلنت الجهات الرسمية عن فترة انتقالية يتم خلالها تداول العملتين معًا، قبل سحب القديمة تدريجيًا.
كما تم تحديد آليات واضحة للاستبدال عبر المصارف الرسمية، مع فرض رقابة مشددة على عمليات التحويل، لمنع غسل الأموال أو استغلال القرار في المضاربة.
ثالثاً : ما أثر تغيير العملة على الاقتصاد السوري؟
إيجابيات محتملة:
تسهيل التعاملات اليومية وتقليل الفوضى الحسابية.
تحسين الشكل العام للنظام النقدي.
تعزيز قدرة الدولة على ضبط السيولة.
تقليل الاعتماد النفسي على العملات الأجنبية.
لكن… التأثير الحقيقي محدود
يرى خبراء اقتصاديون أن تغيير العملة لا يعالج جذور الأزمة الاقتصادية، لأن المشكلة الأساسية لا تكمن في شكل الورقة النقدية، بل في:
ضعف الإنتاج.
تراجع الصادرات.
نقص الاحتياطي الأجنبي.
استمرار العقوبات.
غياب الاستثمارات.
وبالتالي، فإن القوة الشرائية للمواطن لن تتحسن تلقائيًا، ما لم تترافق هذه الخطوة مع إصلاحات اقتصادية عميقة وشاملة.
رابعاً : المواطن بين الأمل والقلق
في الشارع السوري، انقسمت الآراء:
البعض يرى في الخطوة بصيص أمل وتنظيمًا ضروريًا للفوضى النقدية.
آخرون يخشون أن تكون مجرد إجراء شكلي، يعقبه ارتفاع جديد في الأسعار، كما حدث في تجارب سابقة.
خلاصة المشهد
تغيير العملة في سوريا هو قرار نقدي كبير، لكنه ليس حلًا سحريًا.
قد ينجح في إعادة ترتيب المشهد المالي مؤقتًا، لكنه لن ينقذ الاقتصاد ما لم تُفتح أبواب الإنتاج، ويُعاد بناء الثقة السياسية والاقتصادية، ويُخفف الضغط الخارجي.
فالعملة القوية لا تُصك في المطابع فقط… بل تُصنع في المصانع، والحقول، والأسواق.



