القماش الذي يغير مزاج العالم

القماش الذي يغير مزاج العالم
بقلم/مرينا حسن
في عالم الموضه هناك سر لا يراه أحد سر يجعل قطعة بسيطة من القماش قادرة على أن تغيّر شعور إنسان كامل في لحظة واحدة وكأن الملابس ليست مجرد أشياء نرتديها بل طاقة تتحرك بين الجلد والروح وتعيد توزيع ملامح اليوم قبل أن يبدأ حتى لأن الموضه ليست ما نلبسه لكنها ما نشعر به حين نلمس القماش لأول مرة
الإنسان لا يقرر شكله من الخارج فقط بل يقرر حالته النفسية من الداخل ومن هنا يبدأ كل شيء لأن قطعة الملابس التي يختارها في الصباح ليست صدفة أبدا بل رسالة من داخله رسالة تقول أنا محتاج أهدأ أو محتاج أظهر أو محتاج أختفي أو محتاج أقاوم أو محتاج أتنفس الموضه هنا تتحول من شكل إلى إحساس ومن لون إلى قرار ومن خامة إلى طريقة جديدة لمواجهة يوم كامل
والغريب أن القماش يفهم الإنسان قبل أن يفهم الإنسان نفسه فهناك أقمشة تطمئن الروح حين تلمسها وهناك أقمشة تزيد التوتر رغم جمالها وهناك ألوان تهدي ضجيج العينين وألوان تضيف قوة في اللحظة التي يشعر فيها الشخص أنه على وشك الانطفاء ولذلك كانت الموضه دائما أقرب للعلاج منها للزينة علاج لا يضع شكلا جديدا بل يرد للإنسان ملامحه التي أضاعتها الأيام
وفي زمن تتغير فيه الدنيا بسرعة غريبة أصبحت الموضه المرآة الأسرع في التقاط التحولات النفسية للناس لو العالم قلق تظهر ألوان داكنة لو العالم يبحث عن أمل تطلع ألوان فاتحة لو العالم متمرد تظهر قصّات لامعة خارجة عن السطر فالملابس ليست مجرد مظهر لكنها رد فعل عالمي على كل ما يحدث من حولنا وكأن القماش يكتب تاريخ اللحظة دون ما نحتاج نقرأه في الكتب
ومع صعود الوعي اختلفت قواعد الموضه تماما لم تعد القطعة الغالية دليل ذوق ولم تعد الماركات هي الهدف بل أصبح الأهم أن يشعر الشخص أن اللبس اللي اختره يشبهه حقيقي يشبه روحه ومزاجه وظروفه وطريقته في النظر للحياة لأن الموضه لما تكون صادقة بتكون أقوى من كل صيحة وأطول من كل ترند وأجمل من كل عرض
وبقت الموضه مسرح كبير يمشي عليه كل شخص بقصته الخاصة قصة هدوء أو قصة تعب أو قصة بحث مستمر عن حاجة تضبطه من الداخل عشان يعرف يقف برا بثبات بقت حركة الإيد اللي تضبط الياقة أهم من شكل الياقة نفسها وبقى اختيار حذاء مريح أهم من شكل حذاء ملفت وبقت الراحة النفسية جزء أساسي من جمال القطعة مش مجرد إضافة جانبية
واللي محدش بيشوفه هو أن الموضه في جوهرها محاولة يومية لفهم الذات لأن الإنسان لما يغير لبسه هو في الحقيقة بيحاول يغير جزء من طريقته في الحياة قطعة صغيرة يمكن تخليه يمشي بثقة أكبر أو يهدأ شوية أو يستعيد إحساس فقده حتى لو لحظة واحدة وعشان كده الموضه ما كانتش في يوم من الأيام مجرد صور لكنها نبض متحرك يلف العالم كله ويفضل ساكن داخل الإنسان نفسه
الموضه مش ألوان ولا قصات ولا ماركات الموضه رغبة داخل كل إنسان إنه يشوف نفسه بشكل يصدقه ويتماشى مع اللي بيحسه مش مع اللي بيطلبه المجتمع الموضه فعل حرية صغير لكنه قوي فعل يخلق مساحة بينك وبين العالم مساحة تقدر فيها تختار من تكون ولو ليوم واحد بس وكل قطعة تلبسها مش مجرد لبس لكنها خطوة تجاه نفسك قبل ما تكون خطوة تجاه الناس



