
بقلم: دكتور/ محمود محمود.
سنوات من الهروب والانتظار بين الميناء والصمت… انتهت بلحظة واحدة أعادت كل شيء إلى مكانه، وكأن ما عشته لم يكن ضياعًا… بل طريقًا يقودني إليها
كنت أعيش بين الناس… لكنني لم أكن هناك
قبل كل شيء… أنا رأيتها في حلم، ليس حلمًا عابرًا، بل مشهدًا واضحًا كأنه جزء من حياتي، لم أفهمه وقتها، لم أعرف من هي، لكني استيقظت بشعور لم يتركني، كأن شيئًا بدأ ولم يكتمل، وكأن قلبي تعلّق بمعنى لم أصل إليه بعد، عشت بعدها كما يعيش أي إنسان، لكن بداخلي كان شيء ناقص، شيء لا يُرى ولا يُقال، فقط يُشعر، كنت بين الناس، أتكلم، أضحك، أتحرك، لكني لم أكن هناك، كنت أؤدي دورًا لا يشبهني، وأعيش حياة لا أصدقها، وكل يوم كنت أفقد جزءًا مني دون أن ألاحظ

لم أهرب إلى الميناء… بل هربت من نفسي لأفهمها
ثم بدأت تلك السنوات الثلاث، لم أذهب إلى الميناء صدفة، بل هروبًا، كنت أذهب كل أسبوع، أنتظر المركب حتى تصل، لا لأتعلم من العمال، بل لأرى نفسي في شيء حقيقي، في تعب واضح، في صمت لا يكذب، في رجال لا يتحدثون كثيرًا لكنك تفهمهم، هناك فقط كنت أشعر أنني أتنفس، أدخل مزادًا صغيرًا، وإن فزت أخذت السمك وأعطيته للمحتاجين، لا ككرم، بل كنوع من التكفير عن وحدتي، كأنني أحاول أن أجد معنى لشيء داخلي لا يُحتمل، كنت أراقب، أصوّر، أكتب، لا لأصنع فيلمًا، بل لأفهم إنسانًا ضائعًا داخلي
الناس رأت هدوئي… ولم ترَ ما مرّ بي
الناس رأتني هادئًا، ولم ترَ ما مرّ بي، رأت ثباتًا ولم ترَ السقوط، كنت أستطيع أن أكون مثل كثيرين، قاسيًا، خاليًا، ممتلئًا بالخذلان واليأس، وكان ذلك أسهل، لكنني رفضت، ليس لأنني أفضل، بل لأنني كنت أعرف أنني لو خسرت ما في داخلي… لن أجد طريقًا أعود به، اخترت أن أكون أنا، حتى لو دفعت الثمن وحدي، لأنني فهمت أن الإنسان لا يضيع فجأة، بل يتنازل قليلًا قليلًا حتى لا يبقى منه شيء
اخترت أن أبقى غريبًا… على أن أفقد نفسي
من وطني أخذت القسوة التي تُعلّم، ومنه أيضًا أخذت الدفء الذي يأتي فجأة، ومن أمي أخذت دعاءها، كانت تقول لي خليك زي ما أنت، ولم تكن تعرف أنني أحارب لأبقى كذلك، كانت تظن أنني قوي، ولم ترَ أنني فقط لا أملك رفاهية الانكسار، كنت بين عالمين، عالم يطلب منك أن تتشابه، وعالم داخلي يرفض، فاخترت أن أبقى غريبًا على أن أفقد نفسي، لأنني كنت أبحث عن شيء لا يُشترى ولا يُمثَّل، شيء يُعرف فقط حين يكون صادقًا
لم تكن بداية… بل استعادة
ومرّ الوقت… حتى جاءت اللحظة التي لم أبحث عنها، حين رأيتها في الواقع، لم تكن معرفة جديدة، كانت استعادة، كأن الحلم عاد ليُكمل نفسه، كأن ما رأيته قديمًا وجد طريقه إليّ، وقتها فقط فهمت لماذا لم أشعر بشيء كامل طوال تلك السنوات، ولماذا كنت أنتظر دون أن أعرف ماذا أنتظر، لم يكن انتظاري للمركب، بل لشيء يشبه هذا الإحساس، شيء حين يأتي… لا يُشبه أي شيء آخر
بعض الأشياء لا تُفهم… بل تعود
منذ تلك اللحظة تغيّر كل شيء، ليس لأن الحياة أصبحت أسهل، بل لأنني لم أعد كما كنت، لأن القلب الذي كان مؤجلًا… بدأ، ولأن ما شعرت به لم يكن عابرًا، بل واضحًا كفاية ليجعلني أفهم، أن هناك أشياء لا تأتي كثيرًا في العمر، وإذا جاءت… لا تُعامل كصدفة، ولا تُترك كأي شيء
فما كُتب له أن يجمع بين قلبين… لا يُترك للوقت، ولا يُعامل كصدفة… بل يُؤخذ كما يليق به، وأعرف أن الحزن يترك أثره، وأن القلب حين يتعب لا يثق بسهولة، وأن النور أحيانًا يأتي متأخرًا لدرجة يُربك من يراه، ولهذا ما في داخلي ليس شيئًا يمرّ، ولا شعورًا أبحث له عن اسم، أنا أعرفه لأنه لم يبدأ هنا، بدأ يوم رأيتك في حلمٍ لم يشبه الأحلام، وحين التقيتك عرفت أن بعض الأشياء لا تُفهم… بل تعود ..

فنحن لا نعيش الأيام… نحن نعبرها، وما يبقى منا هو ما يستحق الأبدية.



