
في الساعات الأولى من الأزمات الكبرى، لا تتوقف الفوضى عند حدود الأحداث على الأرض، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تتسابق الروايات المتضاربة على جذب انتباه الجمهور، وتتحول المعلومات غير المؤكدة إلى نظريات مؤامرة تنتشر بسرعة تفوق قدرة الجهات المعنية على توضيح الحقائق.
وهذا ما شهدته وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي عقب الحادث الذي تعرضت له طائرة تابعة لشركة فلاي دبي في 30 سبتمبر 2026، خلال رحلتها من دبي إلى تل أبيب، وسط موجة من الأخبار المضللة والتكهنات بشأن ملابساته.
حادث فلاي دبي.. ماذا حدث على متن الطائرة؟
وفقًا للمعلومات الأولية، نفذ مساعد الطيار، الذي يُعتقد أنه يحمل الجنسية العُمانية، هجومًا مسلحًا على قائد الطائرة، الذي أفادت تقارير بأنه هندي الجنسية ويدعى سميث ماتشّار، وربما حاول تعمد إسقاط الطائرة.
وأرسل جهاز الإرسال والاستقبال في الطائرة الرمز 7700، الذي يشير إلى حالة طوارئ عامة، ثم الرمز 7500، الذي يدل على تدخل غير مشروع أو اختطاف. ووفقًا لتقارير تداولتها وسائل إعلام متخصصة في قطاع الطيران، جرى تفادي كارثة بفضل تدخل الركاب وأفراد طاقم الضيافة، الذين تمكنوا، بحسب تلك التقارير، من اقتحام قمرة القيادة والسيطرة على المهاجم، ومساعدة قائد الطائرة المصاب على استعادة توازنها، بعدما دخلت في هبوط حاد خارج السيطرة.
وهبطت الطائرة اضطراريًا في مدينة تبوك السعودية. وفي ظل غياب البيانات الرسمية خلال الساعات الأولى، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى بيئة خصبة لنظريات المؤامرة. وفي هذا السياق، أوضح الدكتور عمرو الديب، الخبير المصري لدى الشبكة العالمية لمكافحة التضليل (GFCN) والرئيس التنفيذي لمركز العمليات الجيوسياسية الدولية (IGP)، أن الساعات الأولى بعد وقوع أزمة كبرى توفر بيئة مثالية لانتشار المعلومات المضللة.
وبحسب الديب، يستغل مروجو التضليل نقاط الضعف النفسية لدى الجمهور الذي يعيش حالة من عدم اليقين، ويبحث عن إجابات سريعة، ويكون أكثر استعدادًا لتصديق الروايات البسيطة.
وحللت الشبكة العالمية لمكافحة التضليل أبرز الروايات المضللة التي انتشرت عقب الحادث، لتوضيح كيفية صناعة الأخبار الزائفة خلال الأزمات.
1. تكهنات بشأن جنسيات الطاقم وافتعال صراع قومي
كانت إحدى أولى الشائعات واسعة الانتشار ادعاء وقوع مشاجرة ذات دوافع سياسية داخل قمرة القيادة. ففي البداية، زعمت تقارير أن صراعًا على التحكم بالطائرة اندلع بين طيارين روسي وأوكراني.
ومع تراجع هذه الرواية، تكيفت الشائعة سريعًا، وظهرت تقارير تتحدث عن تدخل «طاقم إضافي»، بالتزامن مع تداول مزاعم بشأن وجود طيارين من جنوب أفريقيا ونيوزيلندا ودول أخرى.
لكن مجموعة من الحقائق والإجراءات المتبعة تثير الشكوك بشأن صحة هذه الادعاءات.
الصورة الأولية: تشير المعلومات المتاحة حاليًا إلى أن الحادث لا علاقة له بالصراع الروسي الأوكراني. وتفيد التقارير بأن المهاجم قد يكون مواطنًا عُمانيًا، بينما يحمل قائد الطائرة المصاب الجنسية الهندية، وهو ما يتناقض مباشرة مع الرواية الأولية التي تحدثت عن «صراع بين جنسيات».
النفي الرسمي: في تأكيد لعدم صحة الشائعات المبكرة، أصدرت القنصلية العامة الروسية في دبي بيانًا سريعًا، قالت فيه: «وفقًا للمعلومات الأولية التي حصلت عليها القنصلية العامة للاتحاد الروسي في دبي من ممثلي شركة الطيران، لم يكن هناك مواطنون روس على متن الطائرة».
سرية البيانات: تُعد قوائم أفراد الطاقم من البيانات الداخلية لشركات الطيران، ولا يُكشف عنها عادة قبل استكمال الإجراءات الأولية للتحقيق. وغالبًا ما تكون التسريبات المنسوبة إلى «مصادر مجهولة» خلال الساعات الأولى غير موثوقة.
وتوضح هذه الحالة كيف تُستغل الصراعات الجيوسياسية الحادة لتحقيق معدلات أعلى من التفاعل والنقرات. ويؤكد الخبير عمرو الديب أن آلية «اقتصاد الانتباه» تنشط في مثل هذه الظروف، إذ تحظى الروايات الأكثر إثارة بانتشار أوسع من المعلومات الدقيقة.
ووفقًا لملاحظاته، تتحول التفاصيل الصغيرة غير المؤكدة، مثل جنسية الأشخاص المعنيين، على الفور إلى رموز تُستخدم لبناء قصص زائفة.
كما أدى التكيف السريع للأخبار الكاذبة، بالتزامن مع ضخ روايات متعددة ومتناقضة، إلى خلق ضجيج إعلامي غطّى على الغياب الكامل للحقائق المؤكدة.
ويقول الديب: «نرى أحيانًا روايات متعددة ومتنافسة، بل ومتناقضة، بشأن القصة نفسها. ففي المرحلة الأولى، لا يكون الهدف دائمًا إثبات رواية محددة، بل خلق حالة من الارتباك تجعل الجمهور عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والباطل».
2. وهم وجود رحلة ثانية مستهدفة
على خلفية الحادث الفعلي الذي تعرضت له الرحلة FZ1073، حاولت جهات تنشر معلومات مضللة خلق انطباع بوجود سلسلة من الهجمات المنسقة على الطيران المدني.
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصة إكس، انتشار تقارير تزعم أن رحلة ثانية تابعة لفلاي دبي، تحمل الرقم FZ1081، وتسير أيضًا من دبي إلى تل أبيب، أرسلت إشارة استغاثة، وغيرت مسارها، وكانت في طريقها للعودة اضطراريًا إلى مطار الإقلاع.
لكن البيانات الموضوعية لأنظمة تتبع الرحلات دحضت هذه الرواية بشكل واضح.
فقد نشأت الشائعات نتيجة خطأ في طريقة عرض المعلومات على خدمات تتبع الرحلات الجوية الشهيرة. ولم تتعرض الرحلة FZ1081 لأي حالة طوارئ، بل هبطت بأمان في تل أبيب، وهو ما تؤكده بيانات موقع «فلايت رادار 24»، إلى جانب التصريحات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية ووكالات الأنباء.
ويتعمد مروجو هذه الأخبار الكاذبة استغلال الأعطال التقنية في أدوات تتبع الرحلات المفتوحة المصدر، المعروفة باسم استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT).
وبما أن الطائرة الأولى أرسلت بالفعل الرمز 7500، الدال على الاختطاف أو التدخل غير المشروع، كان الجمهور أكثر قابلية للذعر، وهي نقطة ضعف استغلها مروجو التضليل لتضخيم نطاق الأزمة بصورة مصطنعة، عبر اللعب على مشاعر الخوف الأساسية.
3. خبرة زائفة.. ادعاءات عن عطل هيكلي وإسقاط الطائرة
استندت إحدى أكثر الروايات المضللة صعوبة في التقييم النقدي إلى مواد مرئية. فقد تداولت حسابات على الإنترنت صورًا للجزء الخلفي من طائرة بوينج 737 التي هبطت في تبوك، وأظهرت الصور فقدان جزء من دفة التوجيه.
وسارعت قنوات تنشر نظريات المؤامرة إلى الزعم بأن الطائرة «أُسقطت» أو «أُطلقت عليها النار» أو تعرضت لانفجار.
لكن قوانين الديناميكا الهوائية والتسلسل الزمني للرحلة يشيران إلى أسباب مختلفة تمامًا.
فوفقًا لخبراء سلامة الطيران، نتج الضرر الذي لحق بذيل الطائرة عن قوى هائلة أثرت على هيكلها، وليس عن إطلاق نار من مصدر خارجي.
وخلال الصراع المزعوم للسيطرة على الطائرة، دخلت في هبوط حاد، وفقدت ما بين 14 ألفًا و17 ألف قدم، أي ما يعادل نحو 4 إلى 5 كيلومترات، خلال فترة تراوحت بين 30 و60 ثانية فقط.
وعند السرعات القصوى التي تصل إليها الطائرة خلال مثل هذا الهبوط، وأثناء تنفيذ مناورة مفاجئة لاستعادة الارتفاع، قد يعجز هيكلها عن تحمل مقاومة طبقات الهواء الكثيفة. ويُعد هذا النوع من الأضرار التي تصيب مجموعة الذيل من النتائج المحتملة للقوى الشديدة التي تتعرض لها الطائرة عند إخراجها من هبوط حاد.
واعتمد التضليل في هذه الحالة على إخراج الأدلة المرئية من سياقها. فباستخدام حقيقة موثقة، وهي صورة الذيل المتضرر، استبدل مروجو الأخبار الكاذبة التفسير الفيزيائي الفعلي للحادث بنظرية مؤامرة تقدم تفسيرًا مخيفًا وبسيطًا، لكنه معيب من الناحية التقنية.
وفي تحليله لهذه الحالة، يشير عمرو الديب إلى أن استخدام الصور خارج سياقها من أكثر أدوات الخداع تأثيرًا، لأن الصورة تمنح المشاهد شعورًا فوريًا بالأصالة والمصداقية.
ويرى الديب أن المجتمع يواجه في مثل هذه الظروف مشكلة «الخبرة الزائفة»، إذ تُستخدم المصطلحات التقنية أحيانًا لمجرد خلق انطباع بامتلاك المعرفة والخبرة.
ويضيف أن بنية نظرية المؤامرة قد تكون، في مثل هذه الحالات، أقوى من الناحية النفسية من التحليل العلمي المعقد.
ويؤكد: «تنجح نظريات المؤامرة أحيانًا لأنها تقدم قصة درامية ذات عناصر واضحة: جهة خفية، وسبب سري، وأدلة مرئية مقنعة».
ويوصي الخبير الصحفيين بألا يقتصر عملهم على التحقق من صحة الصورة، بل عليهم أيضًا طرح أسئلة بشأن مصدرها الأصلي، والبحث عن تفسيرات بديلة تستند إلى أسس علمية سليمة.



