
انها حكاية انسانة عاشت عمرها كله في صمت لم تشتك لم تصرخ لم تبوح بما في قلبها كانت ترى زوجها المدلل في عينيها كانت تمنحه كل ما تستطيع من حب وحنان كانت تتمنى له السعادة حتى لو كان الثمن حياتها نفسها لكن القدر شاء ان لا تنجب فكان رده باردا قاسيا قال لها اريد ان اتزوج فقالت له بصدر رحيم تحت امرك المهم ان تكون سعيدا ومن هنا بدأت رحلة الوجع رحلة امرأة صارت ظل بلا ملامح حين تزوج اخرى لم يعد يسأل عنها الا بكلمات عابرة انا نازل الشغل انا رجعت من الشغل مجرد مكالمات بلا روح مجرد حضور بلا معنى اهمال يقتلها كل يوم اهمال يجعلها جسدا بلا روح لم يعد يراها لم يعد يشعر بها لم يعد يعرف ان كانت مريضة او متعبة لانها لا تشتكي لم يعد يراها الا حين يغضب من زوجته الثانية فيأتي اليها كمن يبحث عن ملجأ مؤقت ثم يرحل تاركا خلفه امرأة تنام وحدها تعيش وحدها تواجه وحدها حتى صارت تقول له كن عادلا ولو بيوم واحد لكنه لا يعدل لا يمنحها يوما لا يمنحها لحظة لا يمنحها سوى وعود زائفة كلمات فارغة ضحكات باردة حتى تحولت حياتها الى فراغ كبير الى صمت طويل الى انتظار بلا نهاية الى قصة ظلم انساني يصرخ في وجه العالم لكنه يظل بلا صوت لانها لا تشتكي ولا تتكلم
وهكذا استمرت الايام تتشابه لا جديد سوى المزيد من الاهمال المزيد من التجاهل المزيد من الوعود التي لا تتحقق حتى صار بيتها سجنا وصار قلبها مقبرة للاحلام لم تعد تعرف معنى الفرح لم تعد تعرف معنى المشاركة لم تعد تعرف معنى الحياة سوى انها جسد يتحرك بلا روح يبتسم بلا سبب يتنفس بلا رغبة يفتح عينيه كل صباح ليجد نفسه في نفس الدائرة نفس الوحدة نفس الغياب نفس الخذلان ومع مرور الوقت صار صمتها هو لغتها الوحيدة صار صبرها هو سلاحها الوحيد صار ايمانها بالله هو عزاؤها الوحيد فهي لا تشتكي لا لاهل ولا لاصدقاء ولا لجيران ولا لاحد في الدنيا كأنها اختارت ان تحمل صليبها وحدها ان تمشي في طريقها وحدها ان تواجه قدرها وحدها بينما هو يعيش حياته بين زوجته الثانية واولاده لا يلتفت الى من ضحت لا يلتفت الى من صبرت لا يلتفت الى من كانت تتمنى له السعادة حتى لو على حساب نفسها
هذه هي القصة قصة امرأة ظلمها اقرب الناس اليها قصة امرأة صارت عنوانا للتضحية التي لا يقابلها سوى الجحود قصة امرأة تعلم العالم كله ان الصمت قد يكون اقوى من الصراخ وان الصبر قد يكون اشد من الثورة لكنها في النهاية انسانة تحتاج الى من يسمعها الى من يشعر بها الى من يعيد اليها معنى الحياة
ومع امتداد السنين صار الليل شاهدا على وحدتها صار السكون رفيقها صار الحزن يكتب على جدران بيتها كلمات لا يقرأها احد سوى قلبها الموجوع كانت تتمنى يوما واحدا من العدل يوما واحدا من الاهتمام يوما واحدا من المشاركة لكنها لم تنل سوى المزيد من الغياب المزيد من التجاهل المزيد من الوعود التي لا تتحقق حتى صار وجودها في حياته مجرد هامش مجرد ظل لا يراه الا حين يحتاج الى الهروب من خلافاته مع الاخرى اما هي فهي التي ضحت وهي التي صبرت وهي التي دفعت ثمن الحب والوفاء والاخلاص
وهكذا تظل الحكاية ممتدة بلا نهاية تظل شاهدا على ظلم انساني قاس تظل مرآة لامرأة عاشت بلا صوت لكنها تركت في صمتها صرخة مدوية لو اراد العالم ان يسمعها وفي النهاية تبقى الحقيقة ان هذه المرأة لم تكن ضعيفة بل كانت قوية بصبرها عظيمة بتضحيتها شامخة بوفائها لكنها دفعت ثمنا غاليا لانها احبت بصدق وضحت بصدق وصبرت بصدق حتى صارت قصتها مرآة لكل امرأة تعيش في الظل وتنتظر ان يعيد لها العالم حقها المسلوب



