
هناك لحظات في حياة الانسان لا يدرك فيها انه تغيّر ولا يشعر انه كبر من الداخل لكنه يكتشف فجأة انه لم يعد يتعامل مع الامور بالطريقة نفسها وان الاشياء التي كانت تزعجه لم تعد تثير فيه اي ضوضاء وان المعارك التي كانت تستهلكه لم تعد تستحق منه كلمة او خطوة او حتى اهتماما
النضوج الذي لا ننتبه اليه يحدث ببطء يحدث في الصمت يحدث في الليالي التي فكر فيها طويلا دون ان يصل لشيء وفي القرارات التي اتخذها مرغما ثم فهم قيمتها لاحقا وفي التجارب التي ظن انها كسرت شيئا بداخله لكنها في الحقيقة كانت تبني بداخله جزءا جديدا اقوى واوضح
النضوج يظهر حين يتوقف الانسان عن الركض خلف ما لا يركض اليه وحين يفهم ان بعض الاشخاص لا يستحقون مساحة في قلبه وحين يدرك ان انتظار الردود لا قيمة له وان السلام الداخلي اهم من أي انتصار خارجي وحين يصبح قادرا على قول لا دون خوف وعلى قول نعم دون تردد
ويظهر ايضا حين يتوقف عن محاولة اقناع البشر حين يفهم ان كل شخص يرى العالم من خلال وجعه او تجربته او نظرته الخاصة وانك مهما حاولت لن تغير رأيا تشكل من الداخل وحين يدرك ان رده الهادئ اقوى من غضبه وان ابتعاده احيانا يحفظ كرامته اكثر من بقائه
النضوج الذي لا ننتبه اليه يجعل الانسان اكثر صبرا على نفسه اكثر رأفة باخطائه اكثر قدرة على اصلاح ما فسد بداخله دون ان ينتظر ان يصلحه أحد اكثر قوة في مواجهة ما كان يخيفه واكثر حكمة في فهم قلبه واختيار ما يناسبه دون ان يضيع وقته فيما لا يستحق
ومع مرور الوقت يكتشف الانسان ان النضوج لم يكن يوما قرارا بل نتيجة نتيجة رحلات طويلة خاضها وحده ودموع ذرفها في صمت ومواقف تعلم فيها الدرس دون ان يعترف وتضحيات قدمها دون ان يندم وخيبات ظن انها نهاية لكنها كانت بداية لنسخة افضل منه
يدرك ان النضوج الحقيقي ليس ان يصبح قاسيا بل ان يصبح ارحم ليس ان يصبح باردا بل ان يصبح اكثر هدوءا ليس ان يصبح بلا مشاعر بل ان تصبح مشاعره افهم واقرب اليه ليس ان يبتعد عن الناس بل ان يقترب من نفسه اكثر وان يعرف ماذا يريد وماذا لا يريد



