
في أعماق كل إنسان هناك زاوية لا يراها أحد زاوية مختبئة بين ذكرياته وصمته وأحلامه المهجورة بين الخيبات التي دفنها والنجاحات التي لم يحتفل بها هناك الحقيقة التي يعرفها قلبه وروحه لكنه يخشى أن يعلنها أو يخشى أن يراها أحد فهي ليست صاخبة ولا جميلة دائما لكنها موجودة وبصمتها تغير كل شيء حوله ومع مرور الوقت يتعلم الإنسان أن هذه الحقيقة ليست عبئا بل مرشدا وأن تجاهلها لا يجعلها تختفي بل يجعلها تتسع وتضغط من الداخل حتى يضطر لمواجهتها
هذه الحقيقة تظهر أحيانا في مواقف صغيرة كلمة تقولها صدفة تجعل القلب يترجمها بطريقة لم يفهمها العقل لحظة صمت طويل يشعر فيها بالوحدة وسط الناس شعور بالضياع رغم كل المحاولات للتمويه لحظة عندما يرى نفسه منعكسا في عين شخص لا يعرفه لكنه يعرف كل شيء عنه ومن خلال كل هذه اللحظات يكتشف الإنسان كم كان يعيش بلا وعي وكم كان يصدق ما يريد الآخرون أن يصدقه وكم أهمل صوته الداخلي وكم غفل عن إشارات روحه
ثم تأتي لحظة المواجهة لحظة يقرر فيها الإنسان أن يقرأ نفسه بصدق أن يسأل قلبه عن كل ما تجاهله أن يعترف بكل خيبة وألم وكل رغبة وأمل غير محققة أن يعيد ترتيب أولوياته ويزيل الأقنعة التي ارتداها ليرضي الآخرين وأن يختار طريقه الخاص مهما كان وحيدا أو صعبا مهما لم يقدره أحد من حوله وفي هذه اللحظة يبدأ قلبه وروحه بالنمو من جديد يبدأ في تحرير نفسه من قيود لم تكن حقيقية ويكتشف أن القوة لا تأتي من رضا الآخرين بل من صدق الذات وأن الحرية لا تمنح من العالم بل تُصنع داخليا وأن السلام الداخلي أعظم من أي مكان أو علاقة أو امتياز
ومع كل خطوة بعد هذه المواجهة يبدأ الإنسان في رؤية الحياة بشكل أوضح يبدأ في التمييز بين ما يستحق البقاء وما يجب تركه بين الأشخاص الذين يمنحونه حياة وبين من يستنزفونه وبين الأحلام التي تعطيه معنى وبين التي كانت مجرد وسيلة لتضييع الوقت وكل اختيار يصبح أكثر وعيا وأكثر قربا من روحه وكل يوم يعيشه بعد ذلك يصبح رحلة لا مجرد وقت يمر فهو يتنفس بمعنى يفهمه يشعر بقيمة وجوده ويعيد اكتشاف ذاته في كل لحظة صمت وفي كل ابتسامة صادقة وفي كل قرار جريء يتخذه دون خوف
يفهم الإنسان أن الحقيقة التي لا يعرفها أحد ليست عبئا على حياته بل سر قوتها وأن كل معركة خفية خاضها داخله وكل ألم صامت مر به وكل لحظة واجه فيها نفسه كانت تجهيزه لنسخته الجديدة نسخة أصدق وأكثر حرية وأكثر قدرة على العيش بسلام مع ذاته ومع العالم من حوله



