
الإخوان، بين التذيل للباب العالي والتذيل لعَبدة النار
كتبت د. ليلى الهمامي
تعيدنا الأحداث والمواقف إلى محاور هامة من تحديثة الحرب بين إيران وبين إسرائيل وأمريكا. الحلف الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران يبعدنا من حيث التمثل والمخيال عن سياقنا العربي الخاص، سياق، المفروض أن يكون مكتفيا بذاته لبناء القوة العربية المشتركة، ولبناء المصير العربي المشترك.
لكن كان لابد من أن نعتني بهذا المنبه (stimulus)
الذي دفع بالوعي العربي إلى الزيغ عن مساره العادي والطبيعي. توثين القوى الاقليمية باسم الدين والتاريخ ونوستالجيا العودة الى مرتكَز ليس منا، ولا هو من أصلنا، ولا هو مطابق لمصالحنا وأهدافنا؛ إما أن يكون تركيا أو أن يكون فارسيا.
عديد المحللين طرحوا المسألة بطريقة سيئة: أن ننتصر لإيران باسم الاسلام. والواقع أن هذا التمشي دفعني إلى دعوتكم للتفكير، ولو للحظة، في الاشياء التي تجمعنا كعرب. ما الذي يجمعني كعربية بدولة أندونيسيا أو بالبوسنة أو بتومبوكتو مالي في أفريقيا أو بأفغانستان.
الإسلام، بطبيعته، يتسع لكل الانسانية، لكن، الهوية التي بها ندافع عن أنفسنا حتى الموت، التي بها نقاتل، ويمكن أن نقاتل، والتي من أجلها يمكن أن نؤسس قوة قائمة، هي الهوية العربية. بالطبع متى اسسنا هذه القوة سننفتح على الانسانية لكن، يبقى انه لا شيء يجمعني بقوميات وعرقيات بعيدة كل البعد عني كإنسان عربي، ليس بالمنطق الشوفييني، وليس بالمنطق العنصري، بل بالمنطق البراجماتي، بالمنطق العملي، بالمنطق التطبيقي النفعي.
أن أشتغل على الاحداثية العربية، أسلم ، لا فقط من حيث الانتماء، لكن بمنطق الجغرافي، وبمنطق الاهمية الاستراتيجية للجغرافيا، وبمنطق الديموغرافيا، وبمنطق التقارب الى حد التطابق والتناظر… كل هذه الاعتبارات تدفعني الى الاشتغال على تقديم عالمنا العربي ووضعه فوق كل اعتبار…
أردت هنا أن أعود الى ملاحظة أولى:
نخب تتباكى، نخب تنظٌم اللطميات في عديد البلدان العربية، في مصر، في تونس، في الاردن، في العراق… نخب بعثت على أساس النضال من أجل الديمقراطية، من أجل حقوق الإنسان، من أجل الحريات، نجدها اليوم تطبل وتصفق وتهرول احتفاءً بالدولة التيروقراطية الدموية الإستبدادية الإيرانية.
طبقة رجال الدين في إيران بعد ثورة 1979، تخلصوا من كل من رافقهم من العلمانيين والشيوعيين والاشتراكيين وصفّوا كل المعارضات التي ناضلت ضد الشاه، واضطُهِدت تحت الشاه، تعرضت لأبشع أشكال التنكيل والقتل والشنق في الشوارع والسجون والمنافي…
ليس فقط هذا،،، النظام الايراني نظام يحكم باسم الدين، يرجم حتى الموت، النساء من اللاتي خالفن قواعد الحياة أو قواعد الأخلاق،،، نظام زج بالأطفال في الحرب ضد العراق، نظام استعبد كل المنطقة العربيه بعد قيامه بتصدير الثورة.
تصدير “الثورة” الدينية ولّد أذرعا ممولةً مسلحةً من إيران في عمق الدول العربية، ضاربة عرض الحائط الأمن القومي العربي، ضاربة عرض الحائط السيادة الوطنية.
الغريب أن هذا الامر هين لدى البعض، أمر مباح وجائز…
بالنسبة لي هذا أمر لا يختلف في شيء عن الإحتلال الأمريكي للعراق. وهو لا يختلف في شيء عن القواعد العسكرية الامريكية كذلك في المنطقة العربية … هذه القواعد العسكرية الامريكيه التي جاءت في سياق التصدي للمنزع التوسعي ولمنزع الهيمنة، الذي عبر عنه النظام الايراني، باعتباره نظاما يستند الى إسلام شيعي، إسلام معادي للدولة إسلام معادلي للاغلبية، إسلام احتجاجي، وجدت بعض فلول التنظيمات الإسلامية فيه ضالتها، من حيث أنه يشفي غليلها بمنطق الثأر من الانظمة العربية.
لكن، في هذا ايضا، لي ان اقول بأن الاخوان يرقصون يوما على قَدم تركيا وأردوغان المطبع مع اسرائيل، أردوغان المحكوم بمعاهدة تعاون عسكري تتيح للجيش الإسرائيلي وجيش الطيران والبحرية الاسرائيلية ان يتدرب على الأراضي التركية، ويوم آخر يرقص الإخوان على قدم إيرانية، قدم المواجهة أو قدم المعارضة ومعاداة الشيطان الأكبر، هذا الشيطان الذي لا تتردد إيران في التفاوض معه، هذا الشيطان الأكبر الذي هاجمها ولم تهاجمه.
يوم القدس يوم مقدّس منذ الثورة. لكن في يوم القدس أُُبيد الشعب الفلسطيني في غزة، ولم تحرّك إيران جيوشها، ولم تحرك نظمها ومنظوماتها الصاروخية، بل على العكس، لازمت الصمت إلى أن تم استهدافها.
لكل من يعتبر أن النظام الايراني فوق كل شبهة، أدفعكم وأدعوكم بكل لطف، الى النظر في التقارير التي تتحدث عن الثروات الطائلة لرجال الدّين في ايران، ثروات وأملاك المرشد الجديد ومن قبله الأب علي خامنئي، ثروات هائلة واملاك في أرقى الأحياء في لندن في أرقى الاحياء في باريس، وسويسرا…
أود أن أفهم كيف يفكر هؤلاء، خاصة في ما يتعلق بالمسار السياسي لخليفة روح الله كما يسمونه؛ الخميني، على أن مفهوم روح الله (ولنا عودة في هذا المفهوم، ومفهوم الامامة وقضايا كبرى في الفكر والفقه وقضايا كبرى في الفلسفة الاسلامية) يطرح أكثر من تساؤل…
للتذكير وفي صلة بمسألة خلافة الخميني، الكل كان يعلم أن المرشح الطبيعي لخلافة الخميني هو حسين منتظري، آيه الله منتظري. لكن يبدو أن الحرس الثوري وإثر المواقف التي عبّر عنها منتظري بشأن القمع والاحتجاجات سنة 1988 ، زُجّ بالرجل في غايهب النسيان، وفرضت عليه الاقامة الجبرية، وتم فسخه من سجلات “الثورة” الإيرانية. وهنا الثورة بين ظفرين، باعتبار أن ثورة يقودها رجال الدين ليست ثورة، بل ثورة مضادة، في منطق التاريخ.
أما ما حصل، في تولي علي خامنئي منصب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، فقد كان انقلابا وكان اشتغال أجهزة، تمكن من بعده من ارساء سلطته الديكتاتورية داخل الاجهزة وبدعم من الحرس الثوري.
في كل الحالات، حتى داخل النظم الاستبدادية هنالك انقلابات وهنالك مشروعيات يتم فسخها وتتم خيانتها وطعنها…
هذا فقط حتى أدعوكم للتفكير، وأدعونا جميعا أن نفكر في كل هذا، بعيدا عن حماسة الخَصِيّ العاجز، بعيدا عن حماسة من ينتقم بيد غيره، ومن يفعل بسلاح غيره وعلى غير يده، لعجزه على أن يكون فاعلا…
التذيل هو قمه الذل. ويبدو أن البعض امتهن الذل فتذيل، تارة للباب العالي، وتارة لعَبدة النار.



