الكرم عند العرب جينة من الجينات لا يتميز بها سواهم كتبت د. ليلى الهمامي

الكرم عند العرب جينة من الجينات لا يتميز بها سواهم
كتبت د. ليلى الهمامي
الكرم عند العرب ليس عادةً اكتسبوها منذ “الجاهلية”، بل دمٌ يجري في العروق، ونداءٌ قديمٌ ضارب في عمق الزمن نافث من قلب ربع الصحراء الخالي، ولا يزال يصدح في المدن… رأيت بين البداوة رجلا يضع خبزه الأخير على المائدة للضيف، ويبتسم كأنّه لم يخسر شيئًا، بل ربح وجهًا. هذه الابتسامة وحدها فضيلة لا تعرفها دفاتر المحاسبين..
ميخائيل نعيمة قال مرّة إن الفضيلة الحقيقية هي التي تُمارَس دون أن تُسمّى، والعربي حين يُكرِم لا يسمّي كرمه، لا يمنّ، لا ينتظر… يمدّ يده وكأنّه يعتذر، لأنه لم يقدّم أكثر… حنّا مينة كان يرى في هذا الفعل رجولة البحر: تعطي بلا حساب وتأخذ من القليل ما يكفيك. هكذا يعلّمك العربي أن الضيف رزق، وأن الباب المغلق عار، وأن القهوة إذا فارت على النار فارت معها المروءة.
ليست بطولة أن تملك فتعطي، البطولة أن لا تملك وتعطي. والعربي فعلها منذ كان خيمةً في الرمل، ويفعلها اليوم وهو في ناطحة سحاب. قد يختلف معك، قد يخاصمك، لكنه إذا دخلت داره نسي كل شيء إلا أنك ضيف… يذبح لك ما يملك، ويقول لك “تفضل” وكأنها كلمة خرجت من قلبه لا من لسانه.
في أعراق الأرض كلّها خير، لكن الكرم عند العربي هويّةُ، علامةٌ يُعرف بها قبل أن يُسأل عن اسمه… وهذا ليس مديحًا فارغًا، بل شهادة رأتها العين وسمعتها الأذن… العربي يفتح بيته قبل فمه، ويطعم قبل أن يسأل من أنت.



