مقالات
أخر الأخبار

هل المال يشتري الحب والحياة والأمان؟ أم لا يشتري إلا الوهم؟

بقلم: المخرج محمود محمود.

قبل أن تكمل القراءة، أجب نفسك أولًا: هل تعتقد أن المال يستطيع أن يشتري الحب، أم أنه لا يشتري إلا ما يشبهه؟ احتفظ بإجابتك حتى النهاية.

ولعل البعض سيقول إن المال يشتري الأمان، وربما يكون محقًا إلى حد بعيد. فهو يشتري بيتًا يحميك، وتأمينًا يعالجك، وحراسًا يقفون على بابك، ويمنحك حياة أكثر راحة. لكنه لا يشتري الطمأنينة، ولا يمنح القلب سكينة. وقد يشتري الحياة بمعنى البقاء، لكنه لا يشتري معنى الحياة. فالفرق كبير بين أن تعيش، وأن تجد من يجعل لحياتك قيمة. وبين أن تنام في قصر تحيطه الأسوار، وأن تنام مطمئنًا لأن هناك من يخاف عليك أكثر مما يخاف على ما تملك.

لطالما رفضت أن أصدق أن المال يستطيع شراء الحب أو الوفاء أو الاحترام، وما زلت أرفض ذلك حتى اليوم. فالمال، في رأيي، لا يشتري القلوب، بل يشتري الأوهام التي تشبهها. يشتري حضورًا يشبه الاهتمام، وابتسامة تشبه المودة، وكلمات تشبه الصدق، لكنه يعجز عن شراء إنسان يرى حزنك قبل أن تنطق به، ويفهم صمتك قبل أن تشرحه، ويتمسك بك حين تصبح الظروف أصعب، لا حين تصبح الحياة أسهل.

كنت أؤمن دائمًا أن الأيام الصعبة لم تُخلق لتفرق من يحبون بعضهم، بل لتكشف حقيقة ما بينهم. فمن يحبك حقًا لا يجعل الظروف حجة للابتعاد، بل سببًا للاقتراب. لا يتركك تواجه الحياة وحدك، ولا ينتظر منك أن تطلب المساندة، لأنه يشعر بها قبل أن تتكلم. فالحب الحقيقي لا يقاس بعدد الكلمات، بل بقدرة صاحبه على فهم ما لم يُقل.

لكن منذ أيام وجدت نفسي أطرح سؤالًا لم يخطر ببالي من قبل. لم أسأل: من يحبني؟ ولا: من بقي معي؟ ولا: من خانني؟ سألت نفسي سؤالًا واحدًا فقط… من اشتراني؟ وللمرة الأولى شعرت أن السؤال ليس عن المال، بل عن الإنسان.

هناك عبارة تتكرر كثيرًا: المال لا يشتري الحب ولا السعادة ولا الاحترام. لكنني اكتشفت أن المشكلة ليست في هذه العبارة، بل في الكلمة التي أغفلناها جميعًا. فالمال قد لا يشتري الحقيقة، لكنه يشتري شيئًا أخطر منها بكثير… الوهم.

فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى الحقيقة، بل يكفيه أحيانًا أن يصدق الوهم. ولذلك نجد من يظن أنه محبوب، بينما الذي أحبه الناس هو نفوذه. ويظن أنه محترم، بينما الذي احترموه هو سلطته. ويظن أن الجميع يشتاقون إليه، بينما الحقيقة أنهم يشتاقون إلى ما يملكه، لا إلى من يكون.

المال يستطيع أن يملأ حولك المقاعد، لكنه لا يخبرك من كان سيجلس فيها لو أصبحت فقيرًا. ويجعل هاتفك لا يتوقف عن الرنين، لكنه لا يكشف لك من كان سيتصل لو اختفى كل ما تملك. ويحيطك بالابتسامات، لكنه لا يخبرك أيها خرج من القلب، وأيها خرج من المصلحة.

وهنا تكمن خطورة المال؛ فهو لا يشتري الحب، بل يشتري المشهد الذي يشبه الحب. ولا يشتري الصداقة، بل يشتري التمثيل الذي يشبهها. ولا يشتري الاحترام، بل يشتري السلوك الذي يبدو احترامًا. إنه يمنح الإنسان نسخة مزيفة من كل شيء، حتى ينسى مع الوقت أنه يعيش داخل مسرح كبير، لا داخل حياة حقيقية.

ولهذا كان بعض الفقراء أكثر ثراءً من بعض الأغنياء، لا لأنهم يملكون أكثر، بل لأنهم يعرفون على وجه اليقين من يحبهم. أما بعض الأغنياء، فقد يقضون أعمارهم عاجزين عن معرفة إن كان الذي أمامهم يحبهم حقًا، أم يحب الحياة التي يوفرها لهم.

وعندها أدركت أن السؤال لم يكن يومًا: هل المال يشتري الحب؟ لأن الحب الحقيقي لا يُشترى، والوفاء لا يُباع، والإنسان الصادق لا يقايض قلبه بثمن. بل أصبح السؤال: كم شخصًا في حياتي أحبني أنا، لا ما أملك؟ وكم شخصًا كان سيبقى لو تبدلت ظروفي؟ وكم شخصًا كان سيقترب مني في ضعفي كما اقترب مني في قوتي؟

لقد أدركت أن أخطر ما يفعله المال أنه لا يشتري القلوب، بل يجعلنا نظن أننا امتلكناها. يمنحنا نسخة تشبه الحب، وتشبه الوفاء، وتشبه الصداقة، حتى نعتاد الوهم وننسى شكل الحقيقة.

ولهذا ربما لا تكون أكبر نعمة أن تمتلك المال، ولا أكبر مصيبة أن تفتقده، وإنما النعمة الحقيقية أن يمنحك الله بصيرة ترى بها الناس كما هم، لا كما تبدو صورهم أمامك. أن تعرف من بقي لأنه يحبك، ومن اقترب لأنه احتاجك، ومن ابتسم لأنه أراد شيئًا منك.

وربما بعد كل هذا، لم يعد السؤال الذي يخيفني: هل المال يشتري الحب؟

بل أصبح السؤال:

هل كنت يومًا غاليًا على أحد… أم كنت فقط غالي الثمن؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *