
بقلم: المخرج محمود محمود.
لو كنت طائرا، لكان يكفي أن أصرخ مرة، فيلتف حولي من أحب. لكنني إنسان… وكلما طلبت المساعدة، طلب مني الجميع أن أكون أقوى.
عندما يصبح المجتمع جزءًا من المرض ،،
لم يكن الاكتئاب يومًا مرضًا غامضًا بالمعنى الطبي، فقد قطعت علوم الطب النفسي والأعصاب شوطًا طويلًا في فهم آلياته وتشخيصه وطرق علاجه، وأصبح الحديث عنه حاضرًا في الجامعات والمراكز البحثية والمؤسسات الصحية حول العالم. ومع ذلك، يبدو أن المسافة بين ما يعرفه العلم وما يؤمن به المجتمع لا تزال واسعة. فما زالت نظرتنا إلى الإنسان الذي يعاني من الاكتئاب أسيرة أفكار قديمة ترى أن المشكلة تكمن في ضعف الإرادة أو هشاشة الشخصية أو قلة الصبر، وكأن الألم النفسي قرار شخصي يمكن التراجع عنه متى شاء صاحبه. والمفارقة أن هذا الفهم الخاطئ لا يضيف إلى المريض معاناة جديدة فحسب، بل قد يصبح في حد ذاته أحد الأسباب التي تطيل أمد مرضه وتؤخر رحلة تعافيه.
ربما تعود هذه المشكلة إلى طبيعة الإنسان نفسه. فنحن نميل، منذ آلاف السنين، إلى تصديق ما نراه بأعيننا أكثر مما نفهمه بعقولنا. فالجرح الظاهر يستدعي التعاطف فورًا، والكسر الذي تكشفه الأشعة لا يحتاج إلى شرح، أما الألم الذي يسكن العقل فلا يترك أثرًا على الجلد، ولا يظهر في صورة فوتوغرافية، ولا يلفت انتباه المارة. ولهذا كثيرًا ما يجد مريض الاكتئاب نفسه في مواجهة معركة مزدوجة؛ الأولى مع المرض، والثانية مع مجتمع لا يرى المرض أصلًا، فيتعامل مع نتائجه بوصفها عيوبًا في الشخصية لا أعراضًا لاضطراب يحتاج إلى فهم وعلاج.
ولعل أخطر ما في الأمر أن المجتمع لا يحاكم المرض، بل يحاكم السلوك الناتج عنه. فالإنسان الذي فقد قدرته على الاستمتاع بالحياة يوصف بأنه جاحد، والذي لم يعد يملك طاقة للنهوض من فراشه يتهم بالكسل، والذي انسحب من محيطه الاجتماعي يوصم بالتكبر أو اللامبالاة. إننا لا نسأل غالبًا: ما الذي حدث لهذا الإنسان؟ بل نسأل: لماذا تغير؟ وبين السؤالين فرق جوهري؛ فالأول يبحث عن السبب، أما الثاني فيبحث عن الإدانة. وهنا يبدأ الخلل الحقيقي، لأننا نتعامل مع العرض وكأنه الجريمة، وننسى أن وراء هذا السلوك دماغًا يمر بتغيرات معقدة أثبتها العلم، وإن لم تتمكن العين المجردة من رؤيتها.
ولأنني أعمل في السينما، كثيرًا ما أتأمل الطريقة التي ننظر بها إلى الشخصيات على الشاشة. فالمشاهد لا يعرف ما يدور داخل البطل إلا عندما يقرر المخرج أن يكشف له ذلك. قد يرى رجلًا يضحك في حفلة، لكنه لا يعلم أنه عاد بعدها إلى منزله محطمًا. وقد يرى امرأة تبدو قوية أمام الجميع، بينما تعيش في داخلها انهيارًا لا يلاحظه أحد. إن السينما، حين تكون صادقة، تعلمنا أن الصورة ليست الحقيقة كاملة، وأن الإنسان أكبر بكثير مما يظهر على وجهه. لكن المفارقة المؤلمة أن ما نقبله داخل قاعة السينما بوصفه تعقيدًا إنسانيًا، نرفض تصديقه عندما نلتقي به في حياتنا اليومية.
ولعل هذا ما يجعل الاكتئاب من أكثر الأمراض تعرضًا للظلم. فهو لا يسلب الإنسان فرحته فقط، بل يسلبه أيضًا القدرة على إقناع الآخرين بأنه يتألم. ولذلك، فإن كثيرًا من المصابين به يتوقفون عن الحديث، لا لأنهم لم يعودوا يحتاجون إلى المساعدة، بل لأنهم تعبوا من تكرار الشرح. ومع كل عبارة من نوع “اشغل نفسك” أو “كبر دماغك” أو “كل الناس عندها مشاكل”، يشعر المريض أن ألمه يُختزل في نصيحة عابرة، بينما هو يعيش تجربة أكثر تعقيدًا مما تسمح به هذه الكلمات.
إن القضية، في جوهرها، ليست قضية اكتئاب فقط، بل قضية فهم للإنسان. فالمجتمع الذي لا يعترف إلا بالألم المرئي، هو مجتمع يختزل الإنسان في جسده، ويتجاهل أن العقل، بما يحمله من ذاكرة ومشاعر وإدراك، يمكن أن يمرض كما يمرض أي عضو آخر. وربما لهذا السبب لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا لا يستطيع مريض الاكتئاب أن يتجاوز مرضه؟ بل: لماذا ما زلنا، رغم كل ما وصل إليه العلم، نصر على مطالبة الإنسان بإثبات ألمه قبل أن نمنحه حق التعاطف؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن ننطلق منه إذا أردنا أن نفهم الاكتئاب حقًا، لا بوصفه اضطرابًا نفسيًا فحسب، بل بوصفه مرآة تكشف الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان، وحدود قدرتنا على الإصغاء إلى الألم حين لا يكون له صوت.



