الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : الأهداف الروسية ذات الوجهين في القارة الإفريقية

(( الوجه الاول ))
تشهد القارة الإفريقية خلال السنوات الأخيرة تصاعدا ملحوظا في الحضور الروسي، سياسيا وعسكرياً واقتصاديا، في إطار استراتيجية أوسع تنتهجها موسكو لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي وتقليص النفوذ الغربي، خاصة الأمريكي والفرنسي، داخل القارة السمراء.
أولا
كسر العزلة الدولية وتوسيع النفوذ السياسي
تسعى روسيا إلى استخدام إفريقيا كمنصة دبلوماسية لكسر العزلة المفروضة عليها، خصوصًا بعد الحرب الأوكرانية،، فالقارة تضم أكثر من 50 دولة داخل الأمم المتحدة، وهو ما يمنح موسكو كتلة تصويتية مؤثرة في المحافل الدولية، سواء بالتصويت المباشر أو بالامتناع المدروس.
وقد نجحت روسيا في بناء علاقات وثيقة مع عدد من الأنظمة الإفريقية التي ترى في موسكو شريكًا لا يفرض شروطًا سياسية تتعلق بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، على عكس الغرب.
ثانيًا
التمدد العسكري والأمني
يُعد البعد العسكري أحد أهم ركائز الوجود الروسي في إفريقيا، ويتجلى في:
عقود تسليح ضخمة مع دول إفريقية تعاني من نزاعات داخلية.
* تدريب الجيوش وقوات الأمن : الوجود غير الرسمي عبر شركات عسكرية خاصة، أبرزها مجموعة فاجنر سابقًا، والتي لعبت أدوارًا مؤثرة في دول مثل مالي، إفريقيا الوسطى، السودان، وليبيا.
هذا التمدد يمنح روسيا نفوذًا مباشرًا على القرار الأمني، ويتيح لها الوصول إلى مناطق استراتيجية دون تدخل عسكري رسمي واسع.
ثالثاً
السيطرة على الموارد الطبيعية
إفريقيا غنية بالذهب، واليورانيوم، والماس، والنفط، والغاز، وهي موارد تمثل أولوية كبرى لموسكو، خاصة في ظل العقوبات الغربية، وتعمل الشركات الروسية، سواء الحكومية أو الخاصة، على:
* الاستثمار في مناجم الذهب والماس
* تأمين مصادر اليورانيوم المستخدمة في الطاقة النووية
* الدخول في مشروعات نفط وغاز طويلة الأجل
وفي كثير من الحالات، يتم الربط بين الدعم الأمني والعسكري، والحصول على امتيازات اقتصادية في هذه القطاعات.
رابعا
إزاحة النفوذ الغربي خاصة الفرنسي
تستهدف روسيا بشكل مباشر النفوذ الفرنسي التقليدي في دول غرب ووسط إفريقيا.
وقد وجدت موسكو فرصة ذهبية في تصاعد الغضب الشعبي ضد فرنسا، مستغلة مشاعر العداء للاستعمار القديم، ومقدمة نفسها كـ”شريك بديل” يحترم السيادة الوطنية.
وتجلّى ذلك بوضوح في:
مالي ،، بوركينا فاسو ، النيجر
حيث تراجعت القوات الفرنسية مقابل تصاعد الدور الروسي.
خامساً
البعد الإعلامي والحرب الناعمة
تعتمد روسيا على أدوات إعلامية وشبكات تواصل اجتماعي للتأثير في الرأي العام الإفريقي، عبر:
* الترويج لخطاب مناهض للغرب
* دعم الروايات القومية
* تصوير روسيا كحليف صادق ضد الهيمنة الأجنبية ،، وهو ما ساعدها على كسب تعاطف قطاعات من الشارع الإفريقي، خاصة بين الشباب.
لا يمكن النظر إلى التحرك الروسي في إفريقيا باعتباره تحركًا عشوائيًا أو مؤقتًا، بل هو جزء من استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى:
إعادة روسيا إلى قلب السياسة الدولية
تأمين موارد استراتيجية
خلق مناطق نفوذ بديلة عن أوروبا الشرقية
غير أن هذا التمدد يظل مرهونا بقدرة موسكو على الاستمرار اقتصاديا، و بمدى تقبل الشعوب الإفريقية لهذا الدور على المدى الطويل، خاصة في ظل التحديات الأمنية والإنسانية التي تواجهها القارة.
(( الوجة الثانى ))
إفريقيا في مرمى موسكو
كيف تحوّلت القارة السمراء إلى ساحة صراع روسية مع الغرب؟
لم يعد الحضور الروسي في القارة الإفريقية مجرد تعاون دبلوماسي أو صفقات اقتصادية عابرة، بل بات مشروع نفوذ متكامل تسعى من خلاله موسكو إلى تحويل إفريقيا إلى جبهة مواجهة مفتوحة مع الغرب، بعد أن ضاقت عليها الساحات الأوروبية بفعل العقوبات والحرب في أوكرانيا.
روسيا اليوم لا تتحرك في إفريقيا بدافع الشراكة، بل بمنطق البديل القسري: حيثما يفشل الغرب أو يتراجع، تندفع موسكو لملء الفراغ، ولو على حساب استقرار الدول الإفريقية نفسها.
أولًا
أصوات إفريقيا في الأمم المتحدة
* الهدف غير المعلن
تدرك موسكو أن المعركة الكبرى تدار داخل المؤسسات الدولية، ولهذا ترى في إفريقيا خزانًا استراتيجيا للأصوات السياسية.
* دعم الأنظمة مقابل الحماية، والسكوت مقابل السلاح، والامتناع عن التصويت مقابل صفقات مغلقة… تلك هي المعادلة التي تعمل بها الدبلوماسية الروسية داخل القارة.
ثانيا
السلاح بدل التنمية
في الوقت الذي تتحدث فيه روسيا عن احترام السيادة الإفريقية، تغرق عددًا من الدول في دوامة عسكرة الصراعات الداخلية، عبر:
صفقات تسليح بلا رقابة
تدريب مليشيات وقوات غير نظامية
* نشر مرتزقة تحت مسميات أمنية ،، النتيجة لم تكن استقرارا، بل مزيدا من العنف، و تمدّد الجماعات المسلحة، وتحويل بعض الدول إلى مناطق نفوذ مغلقة لا تخضع للمساءلة.
ثالثاً
الموارد مقابل الدم
الذهب الإفريقي، اليورانيوم، الماس، والنفط… كلها تحولت إلى ثمن مباشر للحماية الروسية.
* صفقات تبرم في الغرف المغلقة: الأمن مقابل المناجم، والبقاء في السلطة مقابل الثروات الوطنية.
وفي أكثر من نموذج إفريقي، أصبح الوجود الروسي مرتبطا مباشرة بمناطق التعدين، لا بعواصم القرار السياسي، في مشهد يعيد إنتاج الاستعمار بثوب جديد.
رابعا
طرد فرنسا… واستبدالها بوصاية أخرى
نجحت موسكو في استغلال الغضب الشعبي ضد فرنسا، لكنها لم تقدم بديلا تنمويا حقيقيا، بل استبدلت النفوذ الغربي بوصاية أمنية روسية، لا تقل خطورة على القرار الوطني الإفريقي.
فبدلًا من الخروج من دائرة الهيمنة، انتقلت بعض الدول من تبعية قديمة إلى تبعية أكثر غموضا وأقل شفافية.
خامسا
حرب إعلامية موازية
لم تكتف روسيا بالسلاح، بل دشنت معركة وعي ممنهجة عبر:
* منصات إعلامية موجهة
حملات تضليل رقمية
خطاب شعبوي معادٍ للغرب
وهو خطاب وجد أرضا خصبة في بيئة تعاني من الفقر، وانعدام الثقة في النخب السياسية، ما جعل الشارع الإفريقي ساحة معركة لا تقل خطورة عن ساحات القتال.
ان ما تفعله روسيا في إفريقيا ليس تحالفا استراتيجيا متكافئًا، بل رهان سياسي عالي المخاطر، تستخدم فيه موسكو القارة كورقة ضغط دولية، دون التزام حقيقي ببناء الدول أو حماية الشعوب.
والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح نفسه هنا ::
هل ستظل إفريقيا ساحة لتصفية الحسابات الدولية؟؟؟
أم تنجح شعوبها أخيرًا في كسر دائرة الاستبدال بين مستعمر قديم و وصي جديد؟



