تفنيد الأكاذيب: رد اللواء د. أحمد زغلول على ادعاءات قناة "i24" الإسرائيلية حول مصر القديمة

في مواجهة محاولات تسييس التاريخ وتوظيفه كأداة في الصراع الدولي، قدم اللواء الدكتور أحمد زغلول دراسة تحليلية شاملة دحض فيها الادعاءات التي بثتها قناة “i24” الإخبارية الإسرائيلية بشأن ما أسمته “جذور معاداة السامية في مصر القديمة”. واعتبر د. زغلول أن هذا التقرير يمثل نمطاً متكرراً من “الإسقاطات الزمنية” التي تستهدف تشويه المكانة الحضارية لمصر.
1. مغالطة “معاداة السامية”: المصطلح والسياق
أوضح د. زغلول أن محاولة إلصاق مصطلح “معاداة السامية” بمصر القديمة هي خطأ منهجي فادح، للأسباب التالية:
حداثة المصطلح: ظهر المصطلح لأول مرة عام 1879 على يد الألماني “فيلهلم مار”، ونشأ في بيئة أوروبية محضة مرتبطة بالعنصرية العرقية والبيولوجية.
الخلط المعتمد: إن سحب مفاهيم القرن التاسع عشر وتطبيقها على العصور القديمة يُعد “تزويراً معرفياً”، فمصر القديمة لم تعرف التفرقة القائمة على العرق أو البيولوجيا.
2. شهادة “مانيتون”: سياق سياسي لا عقيدة عنصرية
استند التقرير الإسرائيلي إلى كتابات الكاهن “مانيتون” (القرن الثالث ق.م)، وهنا يصحح د. زغلول المشهد:
كتابات مانيتون جاءت في ظل صراعات الهوية والسلطة في العصر البطلمي، وليست تعبيراً عن عقيدة مصرية قديمة.
تلك النصوص كانت محل نقد واختلاف حتى في العصور الكلاسيكية، وبالتالي فإن استخدامها كدليل إدانة حضارية هو انتقاء غير أمين يفتقر للمصداقية الأكاديمية.
3. مصر القديمة: مهد “ماعت” والقيم الأخلاقية
بنى العقل المصري حضارته على مفهوم (ماعت) الذي يرمز للحق، والعدل، والنظام الكوني. ويستشهد د. زغلول ببردية “إدوين سميث” ونصوص الحكم والوصايا ليؤكد أن:
الفكر المصري قام على التوازن الاجتماعي وليس الإقصاء العرقي.
مصر كانت أول دولة مركزية تضع قوانين أخلاقية مكتوبة، مما يجعل “العنصرية” مفهماً غريباً تماماً عن نسيجها الحضاري.
4. التمييز بين السلوك الاجتماعي والعنصرية البيولوجية
بينت الدراسة أن أي توترات ذكرتها النصوص القديمة تجاه جماعات بعينها (سواء يهودية أو غيرها) كانت توصيفاً لمواقف سياسية أو سلوكيات مرتبطة بالولاء والسلطة، ولم تكن حكماً على “جنس” أو “عرق” كما يحاول الإعلام الإسرائيلي تصويره اليوم لخدمة أجندات معاصرة.
5. الأبعاد الأمنية والاستراتيجية للتقرير
ربط اللواء زغلول بين توقيت بث هذا التقرير وبين الواقع السياسي الراهن، مشيراً إلى أن الهدف هو:
سلاح معنوي: استخدام تهمة “معاداة السامية” لإسكات أي نقد لسياسات إسرائيل غير الأخلاقية.
ضغط سياسي: محاولة التشويه الرمزي للدولة المصرية رداً على مواقفها الثابتة تجاه القضية الفلسطينية ورفضها القاطع لمخططات التهجير.
6. مصر.. مدرسة العالم وأصل المعرفة
اختتمت الدراسة بالتذكير بأن مصر ليست مجرد “دولة قديمة”، بل هي المرجعية التي استقى منها فلاسفة اليونان (أمثال أفلاطون وأرسطو) علومهم. فهي “أم الدنيا” التي أسست لمفهوم الدولة والنظام الأخلاقي قبل أن يعرفه العالم بآلاف السنين.
الخلاصة: إن محاولة محاكمة مصر تاريخياً بمفاهيم حديثة هي محاولة بائسة؛ فمصر هي من علّمت الإنسانية كيف يُكتب التاريخ، وكيف تُبنى الحضارات على أساس العدل لا الكراهية.



