
بقلم: المخرج محمود محمود.
كان أكبر أحلامه أن يفقد ذاكرته. لم يكن يخبر أحدًا بذلك لأن الناس عادةً يتمنون أن يتذكروا أكثر، أما هو فكان يتمنى العكس تمامًا.
كان يشعر أن السنوات تراكمت فوق قلبه أكثر مما ينبغي، وأن الذكريات صارت أثقل من أن يحملها إنسان واحد. لذلك كان كلما مر يوم يتمنى أن يستيقظ في الصباح وقد نسي شيئًا جديدًا؛ اسمًا قديمًا، حلمًا لم يكتمل، وجهًا رحل، أو طريقًا سار فيه طويلًا ولم يصل إلى نهايته. ومع مرور العمر بدأ يصدق أن أمنيته تتحقق، فالكثير من الأشياء تلاشت من ذاكرته بالفعل، والكثير من التفاصيل التي كانت يومًا جزءًا من حياته صارت ضبابًا بعيدًا لا يكاد يراه.
حتى جاء ذلك اليوم الذي وصلته فيه رسالة قصيرة من إنسانة لم يكن يعرف وقتها أنها ستغير ما تبقى من عمره. كانت الرسالة بسيطة إلى درجة أن أي شخص آخر ربما لم يتوقف عندها لحظة واحدة، فقد كتبت له فقط: “اشرب مياه بالنعناع”.
ابتسم دون أن يعرف السبب، وخرج يشتري نعناعًا طازجًا، ثم عاد إلى منزله ووضع بعض الأوراق الخضراء في كوب ماء بارد وجلس قرب النافذة.
وما إن شرب الرشفة الأولى حتى شعر أن شيئًا غريبًا يحدث داخله، كأن الزمن توقف فجأة، وكأن العالم كله ابتعد خطوات إلى الخلف وتركه وحده داخل تلك اللحظة.
لم تكن مياه بالنعناع فقط، ولم يكن طعمًا جديدًا أو مختلفًا، بل كان إحساسًا كاملًا بالحياة لم يعرفه منذ سنوات طويلة. وللمرة الأولى منذ زمن بعيد لم يتمن أن ينسى، بل تمنى أن يتذكر.
تذكر نفسه وهو طفل، وتذكر أحلامه الأولى، وتذكر ضحكته التي ضاعت منه في زحام الأيام، وتذكر أن قلبه ما زال قادرًا على الحب، وأن روحه لم تمت كما كان يظن.
وفي تلك الليلة ظل مستيقظًا حتى الفجر يفكر في عمره كله، ثم سأل نفسه سؤالًا غريبًا: ماذا لو كان ما تبقى من العمر أهم من كل ما مضى؟ وماذا لو كانت الحياة الحقيقية لم تبدأ بعد؟ ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء، فصار يعمل أكثر ويتعب أكثر ويحلم أكثر، لا لأنه يريد أن يجمع مالًا أو يشتري بيتًا أكبر أو يحقق نجاحًا يتحدث عنه الناس، بل لأنه اكتشف هدفًا جديدًا لم يفهمه أحد غيره.
كان يريد أن يشتري نعناعًا كثيرًا ومياه كثيرة، وأن يترك لأهل قلبه جميعًا مياه بالنعناع. كان يريد أن يترك لأمه وأهله مياه بالنعناع، ولأصدقائه مياه بالنعناع، وللطيور الصغيرة التي تقف كل صباح على نافذته مياه بالنعناع، وكان يريد أن يترك لتلك الروح التي أيقظت قلبه نهرًا كاملًا من المياه بالنعناع، لأنها دون أن تعرف كانت السبب في أنه عاد إلى الحياة من جديد. وكان كلما سأله الناس عن سر تعلقه الغريب بهذا الأمر يبتسم ولا يجيب، لأنه لم يكن يعرف كيف يشرح لهم أن المسألة لم تكن نعناعًا ولا ماءً، بل لحظة نادرة جدًا شعر فيها أن الله أعاد روحه إليه من جديد.
كان يخاف أن تسرق الحياة أعمار من يحبهم قبل أن يذوقوا ذلك الإحساس، وكان يتمنى لو أنه عرفه وهو صغير، ربما كان سيحب الحياة أكثر ويخاف أقل ويعيش أجمل. ومع مرور السنوات لم يعد يخشى الموت كما كان من قبل، بل صار يتمنى فقط أن يصل يومًا إلى مكان لا ينسى فيه الإنسان الحب، ولا تضيع فيه الذكريات الجميلة، ولا تسرق الأيام أعمار الناس قبل أن يعيشوها.
مكان تجري فيه أنهار صافية تفوح منها رائحة النعناع، وتبقى فيه الأرواح خفيفة كما خُلقت أول مرة.
وحين اقترب من محطته الأخيرة أدرك أخيرًا أن أكبر أحلامه لم يكن أن يفقد ذاكرته كما ظن طوال عمره، بل أن يجد ذكرى واحدة جميلة بما يكفي لتنتصر على النسيان كله، وقد وجدها يوم قالت له ببساطة لم تكن تعرف أنها ستغير ما تبقى من عمره: اشرب مياه بالنعناع.
وعندها أدرك أن ما تبقى من العمر لم يكن أقل من الذي مضى، بل ربما كان الجزء الذي خُلق من أجله كله, أما الغد فقد تركه لله، واكتفى بكوبٍ من مياه بالنعناع ويقينٍ بأن من أرسل إليه تلك اللحظة الجميلة قادرٌ أن يكتب له ما هو أجمل منها.



