مقالات

“من يجرؤ علي حجب النفس؟”

فؤاد شمص

“من يجرؤ على حجب النفَس؟”

فؤاد شمص

حين نتأمل الجسد الإنساني، لا نجد فيه شيئًا وُضع عبثًا… حتى أسماؤه، حتى أوصافه، حتى تلك الكلمات التي نردّدها منذ صغرنا دون أن نلتفت لما توحي به… كأننا نستنشق الهواء دون أن ننتبه إن كان نقيًا أم مشوبًا.

خذ مثلاً: “الحجاب الحاجز”.
كلمة عابرة؟ لا. إنها كلمة ثقيلة، مشبعة بالحجب والمنع والعزل.
“الحجاب”… غطاء.
“الحاجز”… فاصل.

فهل يُعقل أن يكون هو نفسه مركز تنفسنا؟ بوابة انطلاقتنا؟ وهل يعقل أن نسميه باسمٍ يوحي بالمنع في حين أن مهمته هي الإطلاق؟

لقد تعلّمتُ أن أسميه من الآن فصاعدًا: “جسر النفس”.
أو “مهدُ الشهيق”.
أو “الوتر الحُرّ”.
سَمِّه ما شئت، إلا أن تجرده من روحه، وتحصره في كلمات تشي بالسجن.

هذا الجسر، هذا النسيج العضلي الدقيق، لا يحجب… بل يفتح، لا يعزل… بل يحرّر. هو الذي ينخفض ليمنح رئتينا فرصة الامتلاء، ثم يرتفع ليهبنا الزفير، كأنّه يعلّمنا درسًا أبديًا في الأخذ والعطاء.

لكن الكلمة… الكلمة تصنع سياجًا وهميًا.

حين أُدرّب طلابي على التنفس، أشعر أن أول ما يجب أن أحرّره ليس رئتهم… بل لغتهم. أن أحرّرهم من المصطلحات التي سجنت مشاعرهم، من الكلمات التي حجبت عنهم شعور الحرية في أجسادهم. أن أعلّمهم أن النفس ليس مجرد هواء، بل رسالة من الجسد إلى الروح.

نحن لا نتنفس فقط كي نعيش.

نحن نتنفس كي نُعبّر، كي نصرخ، كي نغنّي، كي نقول: “أنا هنا!”.

فلماذا نرضى أن يكون مفتاح هذه الحياة مُسمّى بالحجاب والحاجز؟

ربما حان الوقت لثورة لغوية صغيرة…
ثورة نبدأها من أجسادنا، من أسمائنا، من أنفاسنا.
ثورة نُعيد فيها تسمية الأشياء بما تستحقه، لا بما قيل عنها قديمًا.

أنا لا أريد أن أحجب تَنفُّسي عن ذاتي .
ولا أن أضع حاجزًا بيني وبين صوتي.

ولا أن أقبل مصطلحًا يجعلني أشعر أنني “محجوز” عند رأس معدتي.

أنا أريد أن أتنفس بحرية.
أن أطلق صوتي دون أن أشعر بأنه عالق في زلعي، أو مقيد خلف حاجز.

لذا، في كل مرة أُدرّب فيها أحدهم، أقول له:
لا تفكر في “الحجاب الحاجز”،

فكر في “البوابة”، في “الينبوع”، في “العزف الأول على ناي الجسد”.

فكر في ريشة طير تهبط وتعلو لتُحرك أجنحتك الداخلية… ثم تنطلق.

تنفّس كأنك تُحرّر سجينًا…
لأنك في الحقيقة… تُحرِّر نَفْسَك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *