مقالات

مسارات لا يراها أحد

بقلم/ناني عادل

 

في كل مدينة مزدحمة بالبشر والضوضاء توجد طرق جانبية لا ينتبه إليها أحد طرق تتشكل مع الأيام من خطوات أناس مروا فيها مرة أو مرتين من قرارات صامتة ومن اختيارات انهزمت أو انتصرت من أحلام لم تُكتب ولم تُناقش ولم يلتفت إليها أحد لكن تلك المسارات الجانبية هي التي تصنع حكاية الإنسان الحقيقي الحكاية التي لا تجدها في نشرات الأخبار ولا في السوشيال ميديا ولا في الجلسات العامة لأنها ببساطة تنتمي للداخل الذي لا يعرفه إلا صاحب التجربة نفسه
الإنسان بطبيعته يمشي خلف الضوء يميل إلى الطريق الواضح المليان علامات وإشارات ومجتمع بيقوله هنا الصح وهنا الغلط وهنا النجاح وهنا الفشل لكنه ينسى أن الحياة في حقيقتها لا تُدار فوق الطرق الكبيرة بل تُدار في تلك الممرات الضيقة التي يتخذ فيها قرارات لا يسمع عنها أحد القرارات التي تتحول إلى جذور خفية تدعم كل شيء يبنيه بعد ذلك في يوم من الأيام
هناك أشخاص يتغير مستقبلهم من كلمة عابرة سمعوها في الشارع من دعوة صادقة من إنسان مجهول من فكرة بسيطة خطرت في لحظة ملل من تعليق مجهول في كتاب أو من نظرة في صورة قديمة كانوا يظنون أنها بلا قيمة تلك الشرارات الصغيرة التي لا يستوعب أثرها إلا بعد سنوات طويلة هي التي تشكل مسار حياة كامل دون أن ننتبه أنها كانت موجودة أصلا
وأعجب ما في هذه المسارات أنها لا تُخبرك أبدًا بما ينتظرك في نهايتها لا تقول لك إلى أين تتجه ولا ما الذي ستكسبه أو ستخسره فهي تمشي بك كما لو أنها تختبر مدى استعدادك لأن تواجه نفسك لا أن تواجه العالم لأن أصعب مواجهة ليست مع الظروف ولا مع الناس بل مع الصوت الداخلي الذي يقول لك امش ولا تتراجع جرب ولا تخف اكمل حتى لو توقف الجميع
ولأن الإنسان غالبًا يخاف من الطرق غير المضمونة فإنه يتردد في خوضها لكنه يكتشف فيما بعد أن كل شيء يستحق كان وراء خطوة خجولة لم يكن متأكدًا منها خطوة لم يكن لها دليل ولا خريطة لكنه شعر بها تميل داخله لشيء أكبر منه شيء يشبه النداء الداخلي الذي لا يُسمع بالأذن بل يُحس بالقلب ذلك الإحساس الغامض الذي يجعلك تتحرك من غير ما تشرح لنفسك ليه
وفي عالم سريع كل شيء فيه بيجري بشكل مرعب يصبح الإنسان محتاجًا بشدة أن يبحث عن لحظة توقف يعيد فيها ترتيب حياته لحظة يراجع فيها المسارات التي مشت من تحته دون أن يشعر ويقرر أيها يستحق الاستمرار وأيها مجرد طريق كان لازم يعدي منه عشان يتعلم مش عشان يعيش فيه لأن الحياة مش مفروض نكون فيها أسرى لطرق قديمة ولا لخيارات بايظة ولا لعادات طمست قدرتنا على رؤية نفسنا بوضوح
المسارات التي لا يراها أحد هي في الأصل تلك الأماكن الحميمة التي تتشكل فيها قوتنا الحقيقية فيها نفهم نفسنا وفيها نعرف حدودنا وفيها نكتشف أننا قادرون على أكثر بكثير مما نتصور لأن الإنسان لا ينضج في اللحظات التي يصفق له فيها العالم بل ينضج في اللحظات التي يعبر فيها وحده وسط ظلام داخلي لا يثق أحد غيره أنه قادر على تجاوزه
ربما أجمل ما في هذه المسارات أنها تكشف لك في النهاية أنك لم تكن محتاجًا إلى ضوء خارجي بقدر ما كنت محتاجًا تكتشف الضوء اللي جواك وأنك مش مجبور تعيش في أي طريق لم يعد يشبهك ولا يخدمك ولا يشبه روحك وأنك قادر في أي لحظة تبني طريق جديد من أول وجديد حتى لو كان ضيق ومخيف ومحدش ماشاه قبلك
هذه الطرق الخفية التي لا يراها أحد هي التي تصنع الإنسان في صورته الأصدق لأنها لا تُبنى لإرضاء أحد ولا لإبهار أحد ولا للظهور أمام أحد إنها تُبنى ليكون الإنسان كما يريد كما يليق به وكما يحلم دون أن ينتظر تصفيق أو ينتظر موافقة أو يخاف من نظرة أو يخضع لمقارنة مع غيره هي مسارات حرة تنتمي فقط لصاحبها ومن يمشي فيها يصبح مختلفًا حتى لو لم يرَ هذا الاختلاف في البداية
وفي نهاية الأمر ستكتشف أن الحياة كانت دائمًا أوسع من كل الطرق التي عرفتها وأن أجمل ما فيها لم يكن في الشوارع المزدحمة ولا في الأماكن المشهورة ولا في الخطوات المتوقعة بل في تلك الممرات الهادئة التي لم يكن يمشي فيها أحد غيرك لأنك وحدك كنت تعرف قيمتها ووحدك كنت مستعد تدفع الثمن وتكمل للنهاية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *