
مراثي المدن التي تبتلع أرواح أهلها
بقلم/نشأت البسيوني
لم تعد المدن كما عرفناها ملاذا آمنا ولا فضاء واسعا يحتضن أحلام البشر بل تحولت بمرور الوقت إلى غول صامت لا يصرخ لكنه يلتهم الصوت والراحة والصفاء تتحرك شوارعها بثقل طوابير الانتظار وتتنفس أزقتها بدخان الإهمال وتتساقط فوق أرصفتها أحلام لم تجد من يلتقطها ولا من يعيد تشكيلها من جديد وما عاد الإنسان يسكن المكان بل صار المكان يسكنه ويضغط على صدره بملء الغياب فلا يترك مسافة لتنفس أو خطوة للنجاة أو نافذة تفتح نحو ضوء يطمئن القلب
تبدو المدن في ظاهرها متلألئة واجهات زجاج وأضواء تخدع العيون لكنها من الداخل متصدعة الأرواح تعج بالوحدة المتخفية خلف الضجيج وبالقلق الذي يسري بين الناس كانه عدوى مزمنة كلما حاول أحدهم أن يهرب منه عاد ليجده أمامه متنكرا في زحمة مواصلات أو في ساعة عمل إضافية أو في خبر عاجل يهز القلب ثم يختفي دون تفسير هذا الإرهاق الجماعي الذي يفتك بالنفوس لا يراه أحد لأنه لا يترك كدمات على الجلد لكنه يتركها على الروح
في المدن يمشي الناس قرب بعضهم دون أن يلتقوا يتبادلون النظرات العابرة دون أن يتقاسموا لحظة دفء واحدة يتحول البشر فيها إلى ظلال تتحرك بسرعة أكبر من قدرتهم على الفهم وتتآكل مشاعرهم تحت وطأة السباق المستمر سباق لا خط نهاية له ولا جائزة حقيقية سوى مزيد من التعب ومزيد من المسافات التي تتسع بين الإنسان ونفسه حتى يصبح غريبا في مرآته غريبا في بيته غريبا وسط الذين يحبهم
ورغم كل هذا يبقى في المدن جانب لا يراه إلا من تألم طويلا فيها جانب يعلمك أن النجاة ليست في الرحيل بل في إصلاح الداخل في إعادة ترتيب قلبك حتى لا يصبح مسكنا آخر للضوضاء في أن تبحث عن ركن صغير مهما كان ضيقا وتبث فيه نورك الخاص نورا لا يراه أحد لكنه يحميك من أن تصبح قطعة أخرى في ماكينة لا تتوقف ولا ترحم أن تصنع من وحدتك حصنا لا سجنا ومن أحلامك وقودا لا حملا ثقيلا ومن خطواتك طريقا لا متاهة
المدن ليست شرا مطلقا لكنها مرآة لا ترحم تعكس هشاشتنا واندفاعنا وخوفنا ورغبتنا المسعورة في أن نكون كل شيء في نفس الوقت تعكس الحقيقة التي نهرب منها وهي أن الإنسان يحتاج لسكينة أكثر مما يحتاج لمساحة ولحب أكثر مما يحتاج لإعجاب ولصوت داخلي صادق أكثر مما يحتاج لكل أصوات العالم
تظل المدن مكانا يعبره البعض ويفنى فيه البعض الآخر لكن من يدرك قيمته الحقيقية هو من يعرف كيف يزرع داخل فوضاها سلاما يشبهه وكيف يبقى واقفا دون أن تفترسه وتلتهم روحه وكيف يصنع في قلبها معنى لا تقدر كل أضوائها على محوه



