
هناك قلوب تمشي في الحياة بخطوات لا تشبه خطوات الآخرين قلوب لا تتقن التزاحم ولا تجيد سباق الظهور ولا تهتم أن تكون في الصفوف الأولى لأنها مشغولة بما هو أعمق من المظاهر وأكبر من الأضواء قلوب تبحث عن المعنى لا الضجيج وتطارد الصدق لا التصفيق وتتمسك بما يشبهها حتى لو بدا بسيطا في عين الآخرين
هذه القلوب لا تعرف التلون ولا تقدر على العيش بنصف حقيقة ولا نصف مشاعر هي إمّا أن تحب بصدق أو لا تحب أصلا إما أن تعطي بكل روحها أو لا تعطي شيئا هي قلوب لا تتعامل مع البشر كخيارات مؤقتة ولا تتقن لعبة المرحلة ولا تفهم كيف يقترب البعض حين يحتاج ويبتعد حين ينتهي الغرض
قلب من هذا النوع يختلف عن بقية البشر لأنه لا يحسب المكاسب ولا يزن العلاقات بالمنفعة ولا يجلس في حياة أحد من أجل مصلحة عابرة هو قلب يدخل بحب ويخرج بصمت ويظل وفيا حتى حين يؤذى لأنه يؤمن أن الوفاء قيمة لا تباع وأن الطيبة ليست ضعفا وأن النقاء قوة لا يفهمها إلا القليل
القلوب التي لا تشبه أحدا تتألم بعمق لأنها تشعر بعمق وتحب بعمق وتعطي بعمق لكنها رغم هذا الألم لا تفقد جمالها ولا تسمح للخيبات أن تغيّر حقيقتها ولا تحولها الظروف إلى نسخة قاسية من الآخرين لأنها تعرف أنها خُلقت مختلفة وأن اختلافها ليس عيبا بل هدية من الله
هذه القلوب تعيش صراعات لا يراها أحد صراعا بين رغبتها في القرب وبين خوفها من الخذلان صراعا بين شوقها للناس وبين وعيها بأن ليس كل الناس يستحقون الدخول صراعا بين طيبتها الفطرية وبين ضرورة حماية نفسها من استنزاف لا ينتهي
ولأنها قلوب نظيفة تجدها أكثر من يدفع ثمن صدقها وأكثر من يساء فهمه وأكثر من يرحل من علاقات ظن أنها ستدوم لكنها ترحل ليس لأنها ضعيفة بل لأنها تدرك أن المكان الذي لا يُقدّر وجودها لا يستحق بقائها وأن العلاقة التي تحتاج جهدا كي لا تنهار ليست علاقة بل معركة لا تريد خوضها
تبقى القلوب التي لا تشبه أحدا هي الأجمل لأنها لا تلوث نفسها ولا تتخلى عن مبادئها ولا تغير معدنها مهما تغير العالم حولها وتبقى تسير بثبات حتى لو مشيت وحدها لأنها تعرف أن الله يميل دائما للقلوب الصافية وأن الطريق مهما طال سيقودها في النهاية إلى ما يشبهها ويليق بها



