منوعات

الأرواح التي تتقن الهروب من الزيف

بقلم/ناني عادل

الأرواح التي تتقن الهروب من الزيف

بقلم/ناني عادل

في عالم يمتلئ بالأقنعة وتتشابه فيه الملامح وتتناقض فيه النوايا تولد بعض الأرواح بقدرة فريدة على الهروب من الزيف كأنها تمتلك رادارًا داخليًا يلتقط الكذب قبل أن ينطق به صاحبه ويميز النوايا قبل أن تتحوّل إلى أفعال هذه الأرواح لا تنخدع بالمظاهر ولا تُغريها الأصوات العالية ولا تعجبها السير الناعمة التي تخفي تحتها شِراكًا صغيرة إنها تقرأ الحقيقة بوضوح وتشم رائحة الخداع كما لو أنه دخان لا يمكن إخفاؤه
هذه الأرواح تعرف أن العالم لم يعد نقيًا كما كان وأن البشر صاروا يُجيدون الاختباء خلف كلمات جميلة وحكايات مُنمّقة وقصص مصنوعة بعناية لذلك تتعامل مع الجميع بوعي وتمنح ثقتها بحذر وتفتح أبوابها ببطء لأنها تعلّمت أن الأخطر ليس العدو الذي يواجهك بل الصديق الذي يعرف كيف يطعن دون صوت
الأرواح التي تهرب من الزيف ليست متكبّرة كما يظن البعض لكنها فقط مرّت بما يكفي من الخذلان لتعرف أين تضع قدمها وأين تتراجع وكيف تميّز بين من يريد وجودها حقًا ومن يريد فقط فائدتها وكيف تعرف الفارق بين العاطفة الحقيقية والعاطفة التي تُستخدم لملء الفراغ
هي أرواح تعشق الصدق حتى لو كان مؤلما وتقدر الوضوح حتى لو جرح وتفضّل الحقيقة عارية على أن ترتدي كذبًا مريحًا لذلك تجدها أكثر الناس عزلة لأنها لا تجد بسهولة من يشبهها ولا تلتقي كثيرًا بمن يحترم صفاءها ولا ترى دائمًا الأرواح التي تستحق أبوابها المفتوحة
ومع عزلتها هذه تظل قوية لأنها اختارت الطريق الذي يحفظ سلامها الداخلي لا الطريق الذي يرضي الآخرين اختارت أن تبقى نقية في عالم ملوّث وأن تبقى صادقة في زمن يفضّل الكذب وأن تبقى وفية في واقع يميل إلى الخذلان
هذه الأرواح تهرب من الزيف لأنها تعرف أن القرب الخاطئ يؤذي أكثر مما يفيد وأن الصداقات التي تُبنى على المجاملات تنهار عند أول اختبار وأن العلاقات التي تملؤها الأقنعة تسقط حين تنكشف النوايا لذلك هي لا تبحث عن كثرة العلاقات بل عن جودتها ولا تبحث عن ضجيج الناس بل عن شخص واحد صادق يكفيها عن العالم كله
تظل الأرواح التي تتقن الهروب من الزيف هي الأكثر جمالًا لأنها تحافظ على نقائها مهما اتّسخ الطريق ولا تسمح للخداع أن يلوث جوهرها ولا تترك العالم يغيّر حقيقتها إنها أرواح لا تحتاج إلى مجد خارجي لأنها تحمل مجدها في داخلها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *