مقالات

يوسف عبداللطيف يكتب: كراسي موسيقية فوق فوهة بركان: “المحافظون الجدد” ولعبة “الليلة أشبه بالبارحة”

اايوسف عبداللطيف يكتب: كراسي موسيقية فوق فوهة بركان: “المحافظون الجدد” ولعبة “الليلة أشبه بالبارحة”

بينما تضج القاعات الفارهة بآيات التبريكات، وتفتح زجاجات المياة المعدنية احتفاء بـ “اليمين الدستورية” التي حفظت عن ظهر قلب، يقف المواطن المصري على رصيف الانتظار، يرقب مشهدا عبثيا يتكرر للمرة الألف، مشهد يختلط فيه التصفيق بالبروتوكول، وتذوب فيه الوعود تحت أضواء الكاميرات، بينما يبقى السؤال معلقا في الهواء، إلى متى نظل ندور في الحلقة ذاتها.

ليست مجرد حركة محافظين، بل هي عملية “تجميل سياسي” لوجه أرهقته التجاعيد الإدارية، نحن لا نشاهد تغييرا، نحن نشاهد “إعادة تدوير” للوعود، حيث يستبدل “الباشا” بـ “الدكتور”، و”اللواء” بـ “المهندس”، وتظل النتيجة صفرا كبيرا في خانة الخدمات، ويبقى المواطن هو الخاسر الدائم في معادلة لا تعرف الرحمة.

إنها حفلة تنكرية كبرى، حيث السير الذاتية (CVs) تلمع كالألماس تحت أضواء الكاميرات، بينما الواقع في القرى والنجوع يئن تحت وطأة الصدأ والفساد المشرعن بـ “قوة القانون” أو بـ “ضعف الرقابة”، وتتسع الفجوة بين الصورة الرسمية والحياة اليومية، ويزداد الإحساس بأن ما يعرض علينا ليس إلا مشهدا معدا سلفا.

فيا سادة، توقفوا عن بيع “الوهم” في مغلفات “الخبرة”، فما أشبه الليلة بالبارحة، كأننا نعيش في “ساقية” لا تتوقف عن الدوران، نغير الوجوه والأسماء، والمكان يظل هو المكان، والأزمات هي الأزمات، خرجت علينا “حركة المحافظين” الأخيرة بمشهد سينمائي مكرر، وجوه جديدة ببدلات لامعة، وسير ذاتية محشوة بالألقاب والشهادات، وتصريحات وردية تعد بـ “العبور” و”النهضة”.

لكن، هل سألتم أنفسكم، لماذا تتبدل الوجوه ويبقى “الجذر” مرا، لماذا تتغير اللافتات وتبقى المشكلات كما هي، ولماذا يصبح الأمل مجرد شعار يرفع في المؤتمرات، ثم يطوى مع انتهاء التصفيق، بينما يظل المواطن يواجه تفاصيل يومه الثقيلة بلا سند حقيقي.

فخ “السير الذاتية” وبهرجة الألقاب، فحين تقرأ السير الذاتية للمحافظين الجدد، تظن أنك أمام “فريق أحلام” سيغير وجه الأرض، لواءات بخلفيات استخباراتية، وتكنوقراط بمرتبة “دكتوراه”، وشباب تم إعدادهم في غرف مغلقة، لكن الحقيقة المرة أن “الإدارة المحلية” في مصر تحولت إلى مقبرة للكفاءات، والمحافظ الجديد يدخل المكتب “أسدا” ثم يكتشف أنه مجرد “موظف مكاتبات”.

نحن لا نعاني من نقص في “الشهادات”، بل نعاني من تخمة في “الأيدي المرتعشة”، من مسؤولين يخشون اتخاذ القرار، ومن منظومة مركزية تخنق أي محاولة إصلاح، فيتحول الحماس الأولي إلى روتين قاتل، وتذوب الوعود في دهاليز البيروقراطية، ويبقى المواطن خارج الحسابات.

الكراسي الموسيقية؛ تدوير الفشل، وأغرب ما في هذه الحركة هو “نقل” محافظ من إقليم إلى آخر وكأننا في لعبة كراسي موسيقية، إذا فشل المحافظ في “أ” لماذا تنقله ليجرب حظه في “ب”، هل المحافظة الجديدة حقل تجارب، هذه السياسة تؤكد أن الاختيار لا يقوم على “الإنجاز” بل على “الولاء” أو مجرد سد خانات.

“التصريحات الوردية” التي سمعناها في المحافظة السابقة هي ذاتها التي تعاد الآن بـ “لكنة” مختلفة، والنتيجة، المواطن يزداد غرقا في أكوام القمامة وظلام الشوارع وغلاء الأسعار، وتتحول الحياة اليومية إلى اختبار صبر مفتوح، بلا أفق واضح ولا محاسبة حقيقية.

رائحة الفساد؛ من الرشوة إلى “الشلل الإداري”، وبينما يتحدثون عن “الجمهورية الجديدة”، لا تزال رائحة “القديم” تزكم الأنوف، لا نتحدث فقط عن قضايا الرشوة التي تسقط فيها الرؤوس الكبيرة بين الحين والآخر في المحليات، وهي قمة جبل الجليد، بل نتحدث عن “فساد السياسات”، عن إهدار المال العام في مشاريع تجميلية بينما البنية التحتية متهالكة.

الفساد هو تعيين “نواب شباب” كديكور لتجميل الصورة، بينما القرار الحقيقي محبوس في أدراج “القدامى”، وهو تعطيل المبادرات الجادة، وإفراغ الشعارات من مضمونها، حتى تصبح كل كلمة إصلاح مجرد صدى بعيد لا يصل إلى الشارع.

حتمية الصدام مع الواقع، يا سادة، المواطن لم يعد يقرأ “السير الذاتية”، هو يقرأ “فاتورة الكهرباء” و”سعر رغيف الخبز”، التصريحات الوردية بأن “المواطن خط أحمر” أصبحت نكتة سمجة في المقاهي، والمحافظ الذي لا ينزل إلى الشارع بلا كاميرات، ولا يواجه مافيا الأراضي والتجار وجها لوجه، هو مجرد “تمثال” في ديوان عام المحافظة.

كلمة أخيرة للماسكين بزمام الأمور، فالتغيير ليس في “تبديل الأسماء”، بل في “تغيير الصلاحيات”، أعطونا “حكما محليا” حقيقيا، أعطونا “مجالس شعبية” تراقب هؤلاء المحافظين وتحاسبهم، وإلا ستظل كل حركة محافظين مجرد “مسكنات” لمريض يحتاج إلى جراحة عاجلة.

الليلة ليست فقط “أشبه بالبارحة”، بل الليلة هي “البارحة” وقد استعارت وجها جديدا لتخدعنا مرة أخرى، ولكن، هيهات.

يا سادة الكراسي الدوارة، إن زمن “التقارير الملونة” التي ترفع للمكاتب العليا قد ولى، فالمواطن اليوم يكتب تقريره الخاص بدموعه وعرقه على أرصفة الشوارع، لا تظنوا أن “اليمين الدستورية” مجرد كلمات تلقى أمام الكاميرات، بل هي “عقد بيع وشراء” لكرامة المواطن وأمنه اليومي.

إن كنتم تظنون أن تغيير “اليافطة” على باب المكتب سيغير “رائحة الفشل” في الداخل، فأنتم واهمون، الشعب لم يعد ينتظر “مخلصا” ببدلة رسمية، بل ينتظر “محاسبة” تكسر أنياب الفساد المترسخ في مفاصل المحليات.

يا محافظينا الجدد، الكرسي الذي تجلسون عليه اليوم، سقط من تحته بالأمس من كان يظن أنه “خالد مخلد”، التاريخ لا يرحم “كومبارس” الإدارة، والشارع لا يعترف إلا بمن “تترب صندله” في أزقة الغلابة.

إما أن تكونوا “رجالة” المرحلة، أو ارحلوا بصمت قبل أن يلفظكم التاريخ كما لفظ سلفكم، فالليلة قد تكون أشبه بالبارحة، لكن الفجر القادم لن يقبل بأنصاف الحلول ولا بأشباه المحافظين.

انتهى البيان، والكرة الآن في ملعب “الغلابة”، ومازال السؤال يحتاج الي اجابة هل نحن أمام تغيير حقيقي أم مجرد عملية تجميل لوجه أرهقته التجاعيد الإدارية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *