
الرحيل الذي يعيد الحياة
بقلم/نشأت البسيوني
هناك نوع من الرحيل لا يعني فقدان المكان ولا ترك الأشخاص بل هو نوع أعمق من التحرر يختبره الإنسان حين يشعر أن كل ما حوله لم يعد يناسب قلبه ولم يعد يمنحه طاقة أو طمأنينة، حين يدرك أن البقاء في شيء لم يعد له معنى يشبه القيد الصامت الذي يثقل النفس ويضعف الروح ويجعله يسير في طريق لا يختاره هو بل فرضته الظروف أو الآخرين. الرحيل الحقيقي يبدأ داخليًا قبل أن يتحول إلى خطوة ملموسة، يبدأ بفهم الذات، بطرح الأسئلة الصعبة، بالاعتراف بما لم يعد يريده الإنسان وما لم يعد يحتمل.
وفي هذا النوع من الرحيل يتعلم الإنسان معنى القوة الحقيقية، القوة ليست في الصراخ أو المواجهة بل في القدرة على التوقف عن ما يضر، على الابتعاد عن كل ما يستهلكه بلا جدوى، على حماية قلبه دون شعور بالذنب، على احترام ذاته رغم كل الضغوط والتوقعات المحيطة. الرحيل يعلم الإنسان أن بعض الأشياء يجب أن تترك لتكون مساحة للآخرين وأن بعض العلاقات لا تستحق كل الوقت والجهد وأن الحرية التي تمنحها الروح لنفسها أهم من أي رابط خارجي.
ثم تأتي اللحظة التي يضع فيها الإنسان نفسه أمام الحقيقة بدون تزييف أو تأجيل، يدرك أنه قادر على البداية من جديد، أن قلبه ما زال يحتمل، أن روحه ما زالت تبحث عن النور، وأن العالم ليس ضد أحد لكنه لا يهتم بما يمر به الإنسان إلا إذا منح نفسه فرصة للوعي والإدراك. الرحيل هنا ليس فقدانا بل فتح أفق جديد، فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، فرصة للتصالح مع الذات، فرصة لتقدير ما يستحق البقاء وما يجب التخلي عنه.
ومع مرور الوقت، يبدأ الإنسان في إعادة بناء نفسه بشكل مختلف، أكثر قوة وأكثر وضوحا وأكثر حرصا على ما يمنحه راحة وسعادة حقيقية، يبدأ في السير بخطوات مدروسة، في اختيار الأشخاص الذين يشبهونه والطرق التي تمنحه شعورًا بالأمان، في الانتباه لكل لحظة صغيرة تمنحه معنى، ويتعلم أن الحياة ليست مجرد استمرار في الأماكن المألوفة بل اكتشاف ما يناسب الروح، الرحيل الحقيقي يخلق مساحة للسلام الداخلي، يفتح الباب أمام الحب الصادق، يعيد للإنسان حيويته ويجعله أكثر استعدادًا للعيش بوعي وصدق مع نفسه ومع العالم.
يدرك الإنسان أن الرحيل أحيانا هو أعظم قرار يمكن أن يتخذه، ليس لأنه يترك شيئًا خلفه، بل لأنه يعيد الحياة إلى قلبه وروحه ويعيد له القدرة على الاختيار والحلم والنمو والابتسامة بصدق لأول مرة منذ وقت طويل.



