منوعات
أخر الأخبار

المحكم ياسر عبدالله حجازي يكتب : من يقف وراء مؤامرة فصل السُنه عن القرآن؟

بين الحين والآخر تطل علينا فتنة قديمة متجددة ترتدي ثوب العقلانية وتتباكى على كتاب الله لكنها تبطن سُماً ناقعا يستهدف تقويض أركان العقيدة الإسلامية إنها ظاهرة “القرآنيين” أو مشككي السُنه النبوية المطهرة الذين يرفعون شعار “القرآن هو المصدر الوحيد” ليخفوا وراءه معولا يهدمون به الصلاة والزكاة والأحكام وكل ما استقر في وجدان الأمة لقرون.

هذه الصيحات ليست مجرد وجهات نظر عابرة أو إجتهادات فكرية تنويرية كما يزعمون بل هي هجمات شرسة ومنظمة تهدف إلى تشتيت عقول المسلمين وتجريد الدين من تطبيقه العملي ليتحول إلى نصوص هلامية يفسرها كل صاحب هوى على مراده.
الشهادة من كتاب الله:

نجد أن القرآن يأمر بإتباع السُنه
و المفارقة الكبرى أن هؤلاء الأدعياء يزعمون الإكتفاء بالقرآن بينما القرآن نفسه ينسف مذهبهم من جذوره في عشرات الآيات المحكمات التي تجعل طاعة الرسول ﷺ شطر الإيمان وعنوانه ومن هذه الأدلة:
يقول الله تعالى {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل: 44. فالقرآن أوكل مهمة البيان والشرح للرسول ﷺ وبدون هذا البيان تظل الآيات المجملة كالأمر بالصلاة والزكاة بلا تفصيل عملي.
الحجية التشريعية المطلقة لأوامر النبي:
يقول تعالى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} الحشر: 7. ويقول أيضا {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}النساء: 80.
إقتران الإيمان بالتحكيم النبوي:
أقسم الله بنفسه على نفي الإيمان عمن يرفض حكم النبي ﷺ وسنته فقال {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}النساء: 65.
عصمة كلامه في التشريع:
يقول تعالى {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} النجم: 3-4.
المغالطة التاريخية الكبرى:
إن القرآن الكريم والسُنه النبوية نُقلا عبر نفس القناة البشرية وهم صحابة رسول الله ﷺ فمن يزعم أن الصحابة عدول وثقات في نقلهم لحروف القرآن ثم يتهمهم بالوضع والكذب أو الغفلة في نقلهم للأحاديث فهو ساقط منطقيا والطعن في الناقل طعن في المنقول جملة وتفصيلا.
تشريح المؤامرة ومن المستفيد من هدم السُنه؟
إن إثارة هذه الشبهات في هذا التوقيت وبتدفق تمويلي وإعلامي ضخم خلف الشاشات والمنصات يكشف أن الأمر يتجاوز مجرد شطحات فكرية لجهلاء بل وراء الأجمة ما وراءها وتتلخص الجهات المستفيدة من هذه الفتنة في أربعة أطراف رئيسية:
1. دوائر الإستشراق الحديث وأجهزة المخابرات الدولية فقد
أدركت مراكز الأبحاث السيادية في الغرب أن القوة الصلبة العسكرية لا تكفي لإخضاع العالم الإسلامي ما دام يمتلك مرجعية صلبة تمنحه حصانة وضوابط حلال وحرام واضحة
والهدف هو تفكيك المنظومة التشريعية للإسلام فإذا سقطت السُنه أصبح القرآن بلا تفسير منضبط وهنا يمكن إعادة تفسير آيات الجهاد والولاء والبراء والأخلاق والمعاملات المالية بما يخدم الهيمنة الغربية الاستعمارية وتحويل الإسلام إلى دين طقوسي بارد لا يتدخل في سياسة أو إقتصاد أو هوية.

2. تيارات العلمانية والليبرالية المتطرفة حيث يعاني علمانيو الشرق من عقدة نقص تجاه الأحكام الإسلامية الصارمة التي تحمي الأسرة والمجتمع من التحلل كأحكام الميراث، الحجاب، العلاقات، والحدود والقرآن جاء بأصول هذه الأحكام بينما فصلت السُنه سياجها الحامي
حيث أن الهدف هو تمييع الدين ليتوافق مع السيولة الأخلاقية المعاصرة فعندما يُسقطون السُنه يسهل عليهم صياغة إسلام مفرغ من التكاليف يبيح الشذوذ ويسقط الحجاب ويلغي الربا تحت دعوى القرآن لم يحرم هذا صراحة بالتفصيل الذي تذكرونه

3. الحركات الباطنية وأصحاب الأجندات الطائفية فنري تاريخيا أن السُنه النبوية هي الصخرة التي تتحطم عليها كل البدع والأفكار المنحرفة لأن الأحاديث الشريفة ضبطت العقيدة والأسماء والصفات بدقة متناهية والهدف فتح الباب لتأويل القرآن تأويلا باطنيا وخرافيا يخدم مصالح سياسية أو طائفية بدون سيرة النبي وتفسيره للآيات و يمكن لأي دجال أو مدعي مهدوية أو صاحب فرقة ضالة أن يجتزئ آية من القرآن ويصنع منها دينا جديدا يضل به أتباعه.

4. إمبراطوريات الإعلام وصناع التريند
في عصر الرأسمالية الرقمية أصبحت إثارة الجدل بحد ذاتها سلعة تدر ملايين الدولارات والهدف هو توظيف شذاذ الآفاق والجهلاء الذين يرتدون مسوح المفكرين وتصديرهم في البرامج والبودكاست فهؤلاء مستفيدون ماديا ووظيفيا من صناعة الصدمة الفكرية لتوليد تفاعلات عالية حتى لو كان الثمن تدمير اليقين في قلوب ملايين الشباب المسلم.
ختاما إن الهجوم على السُنه ليس دفاعا عن القرآن بل هو محاولة لـعزل القرآن يتيما بلا لسان يبينه ولا واقع يطبقه والوعي بهذه الأطراف المستفيدة وبأهدافها الخبيثة هو الخطوة الأولى لحماية الهوية الإسلامية فالتمسك بالسُنه النبوية اليوم ليس مجرد نافلة أو أمر ثبوتي بل هو معركة وجود للدين نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *