مقالات
أخر الأخبار

حين إلتقى بحر اليوم ببحر محمود ياسين

بقلم: المخرج محمود محمود.

“يا سلام لو الإنسان يقدر يعيش كده على طول.. مفيش في حياته غير بحر وشمس والإنسانة اللي بيحبها.”

لا أعرف لماذا بقي هذا المشهد معي كل هذه السنوات. كنت أظن أن الأمر يتعلق بالسينما، ثم ظننت أنه يتعلق بمحمود ياسين، ثم ظننت أنه يتعلق بذلك الزمن الذي نحبه جميعًا حين يبتعد عنا. لكنني اليوم، وهي أمام البحر، شعرت للمرة الأولى أنني أفهم شيئًا لم أفهمه من قبل. لم يكن الرجل ينظر إلى البحر كما كنت أتصور، ولم يكن يتحدث عن الحب كما كنا نردد ونحن نحفظ الجملة. كان ينظر إلى حياة كاملة. إلى تلك الحياة التي تظل تلوح للإنسان من بعيد فيظن أنه سيصل إليها حين ينجح أكثر، أو حين يحقق حلمًا أكبر، أو حين يعبر محطة أخرى من عمره، ثم يكتشف بعد سنوات أن ما كان يبحث عنه لم يكن في نهاية الطريق أصلًا.

ظل هذا المشهد يطاردني أكثر مما أعجبني، لأنني كلما عدت إليه رأيت نفسي واقفًا في المكان نفسه؛ أحلم بالأفلام التي أريد أن أصنعها، وبالأعمال التي أتمنى أن تبقى، وبالنجوم الذين أتمنى العمل معهم، ثم ألتفت فجأة فأخاف من شيء آخر تمامًا. أخاف أن أقضي عمري أتعلم كيف أصنع الحلم للناس وأفشل في أن أعيشه لنفسي. أخاف أن أكتب عن الحياة أكثر مما أعيشها، وأن أصور الحب أكثر مما أعرفه، وأن أصل يومًا إلى الفيلم الذي حلمت به طويلًا فأكتشف أنني فقدت أشياء كانت أهم من الفيلم نفسه.

وفي اللحظة التي كانت هي تقف فيها أمام البحر، لم أر البحر وحده. رأيت ذلك الهدوء الذي يبحث عنه الإنسان سنوات طويلة دون أن يعرف اسمه. رأيت الحياة التي كان محمود ياسين يتحدث عنها دون أن يشرحها. لم تبدُ لي الصورة عابرة، بل بدت كأنها أعادت فتح باب ظل مواربًا داخلي سنوات طويلة. باب الحياة التي أريد أن أعيشها، والسينما التي أريد أن أصنعها. وفي مكان ما بين البحرين، شعرت أنني أرى حياتي كما أتمناها.

حين كانت هي أمام البحر اليوم لم أتذكر المشهد، بل شعرت أنني أدخل إليه. شعرت أن محمود ياسين لم يكن يؤدي رجلًا عاشقًا بقدر ما كان يؤدي إنسانًا لمح للحظة شكل الحياة التي يتمناها. بقي المشهد حيًا ليس لأن البحر جميل، ولا لأن الجملة جميلة، ولا لأن محمود ياسين ممثل عظيم فقط، بل لأن كل إنسان يعرف في مكان ما داخل نفسه تلك الحياة التي يحلم بها ويخاف في الوقت نفسه ألا يصل إليها أبدًا.

ولهذا يقلقني كثير من السينما الحديثة. ليس لأنها فقدت الموهبة، بل لأننا أصبحنا نتحدث كثيرًا عن الصورة ونادرًا ما نتحدث عن الإنسان. أصبحنا نعرف كيف نصور البحر بصورة أجمل من أي وقت مضى، لكننا لا نتوقف كثيرًا أمام السؤال الذي جعل ذلك المشهد يعيش كل هذه العقود: ماذا يرى الإنسان وهو ينظر إلى البحر؟

أظن أنني فهمت محمود ياسين متأخرًا. لم أفهمه حين كنت أراقب الأداء أو أحلل المشهد أو أبحث عن أسراره الفنية، بل فهمته حين اكتشفت أن الحلم لم يكن فيلمًا فقط، ولم يكن حياة فقط. كان شيئًا أصعب من ذلك كله. أن أصل يومًا إلى تلك اللحظة التي لا أحتاج فيها إلى الهروب من الحياة إلى السينما، ولا إلى الهروب من السينما إلى الحياة. اللحظة التي تصبح فيها الحياة التي أعيشها والسينما التي أصنعها شيئًا واحدًا، ويصبح فيها ما أحكيه على الشاشة امتدادًا لما عشته خارجها، لا بديلًا عنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *