مقالات

شكر يتجاوز المجاملة ورسالة مزدوجة ربط بها ترامب بين غزة وسد النهضة

بقلم أزهار عبد الكريم

 

لم تكن رسالة الشكر التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي مجرد لفتة دبلوماسية عابرة بل حملت في طياتها دلالات سياسية أعمق خصوصا مع الربط اللافت بين الدور المصري في وقف إطلاق النار بقطاع غزة والاستعداد الأمريكي للوساطة في أزمة سد النهضة.
هذا الربط الذي بدا للبعض غير تقليدي يعكس في حقيقته إعادة صياغة أمريكية لمعادلة النفوذ والاستقرار في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا ويمنح مصر موقعاً متقدماً في هندسة التوازنات الإقليمية.

فقد أصبحت مصرمن وسيط في غزة إلى لاعب محوري في قضايا الأمن الاستراتيجي
فإشادة ترامب بالدور المصري في التهدئة بين إسرائيل وحركة حماس تمثل اعترافاً صريحاً بأن القاهرة لا تزال الطرف الأكثر قدرة على التواصل مع جميع أطراف الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
فمصربحكم الجغرافيا والتاريخ والعلاقات المتشابكة تملك مفاتيح التهدئة حين تتعقد الحسابات وهو ما تدركه واشنطن جيداً.
لكن اللافت أن هذا التقدير لم يقف عند حدود غزة بل امتد مباشرة إلى ملف سد النهضة أحد أخطر التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري.

هنا يصبح الشكر السياسي مدخلاً لإعادة طرح قضية مائية مصيرية على طاولة الاهتمام الدولي.
رسالة مزدوجة تقدير للقاهرة وضغط غير مباشر على أديس أبابا
الربط بين الملفين يحمل رسالة مزدوجة. فمن جهة هو تثمين للدور المصري بوصفه ركيزة استقرار إقليمي ومن جهة أخرى هو إشارة واضحة لإثيوبيا بأن أزمة سد النهضة لم تعد شأناً فنياً أو أفريقي داخلياً بل قضية تتقاطع مع حسابات الأمن الإقليمي والدولي.

لنجد واشنطن ترسل رساله عبر هذا الخطاب تعيد فيها التذكير بأنها قادرة على العودة إلى ملف السد متى أرادت وأن تجاهل المخاوف المصرية والسودانية لم يعد خياراً مريحاً. صحيح أن الوساطة الأمريكية لا تحمل في ذاتها قوة الإلزام القانوني لكنها تملك وزناً سياسياً لا يمكن تجاهله.

فى الوقت نفسه نجد أن الربط بين الملفات يعزز الموقف المصري سياسياً لطالما استمرت القاهرة في التمسك بالمرجعية القانونية الدولية لقضية السد. فمصر لا تطالب بحرمان إثيوبيا من التنمية بل تطالب بضمانات تمنع الضرر الجسيم على دول المصب وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي للأنهار.

نجاح مصر في إدارة ملف غزة دون الانزلاق إلى فوضى إقليمية يمنحها مصداقية إضافية حين تتحدث عن الأمن المائي بوصفه مسألة حياة أو موت لا ورقة مساومة.

من الواضح أن إدارة ترامب تسعى إلى إعادة التموضع في ملفات تراجع فيها الحضور الأمريكي خلال السنوات الماضية. فالجمع بين غزة وسد النهضة يعكس رؤية تعتبر أن الأزمات الإقليمية مترابطة وأن الفاعلين القادرين على ضبط التوتر في ساحة يمكن الاعتماد عليهم في ساحات أخرى.
في هذا السياق تبدو مصر حجر الزاوية فهى دولة لا تبحث عن التصعيد لكنها تمتلك من أدوات التأثير ما يجعل تجاهلها مكلفاً.

فى الأخير. رسالة ترامب ليست مجرد شكر بروتوكولي بل اعتراف بدور مصري متجدد في إدارة أزمات المنطقة. وهي في الوقت ذاته محاولة أمريكية لربط الاستقرار السياسي بالأمن المائي وإعادة تدويل أزمة سد النهضة دون صدام مباشر.
وبين غزة والنيل تتضح معادلة واحدة
من يملك مفاتيح التهدئة يملك أيضاً أوراق التفاوض في القضايا الاستراتيجية الكبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *