
بقلم: المخرج محمود محمود.
لا أذكر متى بدأ هذا السؤال يطرق وعيي، لكنه ظل يرافقني كظلي، ينهش هدوئي لا بحثاً عن إجابة، بل تذكيراً بمرارةٍ لم نكن نريد الاعتراف بها. لماذا، ونحن في ذروة الزحام البشري والاتصال الرقمي، نشعرُ أننا أكثر وحدةً من أي وقت مضى؟ لقد قصرت الخوارزميات المسافات تقنياً، بينما وسّعت المسافة الجيولوجية بين قلبين يسكنان بيتاً واحداً.
إننا نعيش في حقبةٍ فقد فيها “اللقاء” قداسته. أصبح الوصول إلى إنسانٍ ما عبر الشاشات لا يستغرق ومضة عين، لكن الوصول إلى “مغارة” مشاعره يحتاج عمراً من العناء والمخاطرة. هل المشكلة في الزمن الذي تسارعت نبضاته حتى أجهزت على التفاصيل؟ أم فينا، نحن الذين ننتظر من الحياة إجاباتٍ كلاسيكية عن أسئلةٍ تتغير بتغير وجوه البشر؟
ألقيتُ ذات يوم سؤالاً في فضاء الناس: “وقت الشدة…”. كنت أراقبُ الإجابات لأرى ما يتجنبون قوله. الصمت كان الحقيقة الوحيدة. لا أحد يجرؤ أن يكتب: “وقت الشدة تصبح وحيداً”. نخافُ هذا الاعتراف، وكأننا إذا نطقنا به سنكرسه كقدرٍ نهائي، فنمضي نتظاهر بأن السند موجود، بينما في أعماق كلٍّ منا خزانٌ من الخيبات التي لا يعلمها إلا الله.
ما هي الشدة؟ هي ليست ضيق رزقٍ أو تعثراً؛ تلك أعراضٌ جانبية. الشدة الحقيقية هي حين تكتشف أن “الرفقة” التي ظننتها وطناً، كانت مجرد “استراحةِ طريق”. كانوا يحبون الطريق ما دام مزيناً بالأضواء، وحين أظلمت الطرق، كانت “سهولتهم” في التخلي هي الحقيقة العارية. هنا يسقط “غربال الوجود”. الشدة ليست اختباراً للناس، بل هي اختبارٌ لنا. لقد علمتني التجارب أن الحب الذي لا يُرى بالعين، هو ذاك الذي يهمس في أذن روحك في أشد لحظات انكسارك: “لا تخف، أنا هنا”.
هذا العجز عن رؤية القيمة إلا بعد فوات الأوان هو لعنةٌ قديمة. نحن “أمة عمى القرب”؛ لا نرى الجوهر وهو بين أيدينا، وننتظر أن يرحل لنرثيه. وما قيمة الاعتراف إذا جاء بعد أن برد القلب؟ لقد اكتشفت أن خطئي لم يكن في فرط المحبة، بل في قياس قلوبهم بمقياس قلبي. ثم تأتي الشدة، فتسقط المقاييس، ليولد إنسانٌ جديد. إنسانٌ لا يكره أحداً، لكنه لا يصدق بسهولة، يدرك أن الغياب في لحظة الحاجة ليس ظرفاً طارئاً، بل هو “تعريفٌ كامل” للعلاقة.
الصمتُ الآن هو الحكمة التي تلي العاصفة. ليس انتقاماً، بل إدراكٌ بأن بعض الناس لا يحتاجون إلى عتاب، بل يحتاجون أن تتركهم كما هم، لأن الحياة ستخبرهم يوماً ما كنت تعنيه. لستُ حزيناً، لقد خرجتُ من الشدة بدرسٍ واحد: الأمان ليس وطناً ننتظر منه اعترافاً، بل هو أن أقف أمام المرآة وأعرف مَن أنا. لقد أصبحتُ أخيراً.. “وطناً لنفسي”.
بعد أن استوى هذا “الاكتفاء” في جوهر الروح، يخلعُ الإنسان رداء العتاب، ويخرجُ من مدارات الخلق ليقف في حضرة الخالق. غيابي عن الناس، وغياب الناس عني، تذكرةٌ للعبور إلى الحقيقة المطلقة. في غمرة هذا الصمت، لا يتبقى إلا أن ترفع عين قلبك لتدرك أن كل ما فقدته كان “حُجُباً” لتسكن روحي في جوار الحق. لا يعود الغيابُ وجعاً، بل يُصبح مقاماً صوفياً لا ترجو فيه من الناس شيئاً؛ فمن لا يراكَ وأنتَ في قمةِ حضورك، لن يجدك في غيابك، ومن ظنَّ أنك ملكٌ له، قد جهل أنك عبدٌ لله وحده.
أنا اليوم لا أطلب إلا “الاستقامة”؛ استقامة القلب، أن يرزقني بصيرةً لا تزيغ عن الجمال حين يختفي خلف أقنعة الخلق، وأن يمنحني من “الغنى” ما يجعلني أستغني عن مودة مَن لا يقدّر. ماذا يطلبُ المرء بعد أن ذاق مرارة البشر؟ يطلبُ أن يجعل وحدته “خلوةً”، وغربته “أُنساً”، وصمته “ذكراً”.
عفوتُ عنهم إشفاقاً؛ فقد كانوا أدواتٍ بيدِ القدر يسوقونني نحو عتبةِ الله سوقاً، ليعلموني أنَّ مَن وجد الله فقد وجد كل شيء، ومَن فقد الله فقد خسر كل شيء، حتى لو أحاطت به الدنيا. والآن، أنا لا أنتظر شيئاً، فقد اكتفيتُ بالله الذي يراني حين يغفل الناس، ويملأُ قلبي بوطنٍ لا يزول مهما تبدلت الأوطان.
ولتعلم أنَّ هذه الوحشة التي تعتصرُ قلبك ليست إلا ‘مُصفاةً’ ربانية؛ فاللهُ حين يريدُ أن يطهرَ وعاءك، يفرغُ منه كلَّ ما ليس فيه. إنَّ قسوةَ الغياب هي عينُ الرحمة التي تمنعُ قلبك من التعلقِ بغيرِ ‘الواحد’، فكلما اقتربتَ من البشرِ وخذلوك، اقتربتَ من اللهِ ووجدته. لا تحزن على من خذلوك، فقد كانوا الحجّاب الذين أُمروا بأن ينحوا جانباً، ليدخلك اللهُ في حِمى كبريائه، حيث لا شريكَ ولا رفيق. تذكر دائماً: ‘إنَّ من أرادَ اللهَ، أرادَ أن يراهُ وحيداً، ليجعلَ من وحدتهِ محراباً، ومن صمتهِ نداءً، ومن غيابهِ عن الخلقِ.. حضوراً مطلقاً في الحقِّ تعالى’.”


