
الذين يتغيرون دون أن يلاحظهم أحد
بقلم/ناني عادل
هناك أناس يتغيرون بصمت دون إعلان دون ضجيج دون أن يخبروا أحدا بما يحدث في داخلهم فهم لا يكتبون منشورات كبيرة ولا يطلبون من العالم أن ينتبه ولا يصرخون بأنهم صاروا أقوى ولا يشكون بأنهم تعبوا وإنما ينسحبون قليلا يعيدون جمع طاقتهم يعيدون ترتيب قلوبهم يراقبون تفاصيلهم ويبدأون في ترميم أرواحهم جزءا بعد جزء هؤلاء الناس يبدون كما لو أنهم لم يتغيروا لكنهم في الحقيقة صاروا عالما آخر صاروا أعمق مما كانوا وأهدأ مما كانوا وأصدق مما كانوا أصبحت كلماتهم أقل لكنها أثقل وأصبحت علاقاتهم أضيق لكنها أنقى وأصبح غضبهم أبطأ لكنه أعمق وأصبح احترامهم لأنفسهم أكبر من أي وقت مضى فالذين يتغيرون دون أن يلاحظهم أحد هم الذين اكتشفوا أن أجمل التغييرات تلك التي لا ترافقها محاضرات ولا كلمات كبيرة بل تأتي مثل نسمة باردة في يوم خانق لا يراها أحد لكنها تغيّر الجو كله هؤلاء تعلموا أن لا يركضوا خلف أحد وأن لا يبرروا وجودهم وأن لا يضيعوا أعمارهم في أبواب مغلقة وأن لا يستمروا في علاقات تشبه الاستنزاف أكثر مما تشبه الحب تعلموا أن يضعوا أنفسهم في المكان الذي يستحقونه وأن يتركوا الأماكن التي لم تعد تناسب قلوبهم مهما اعتادوا عليها ومهما امتدت أيامهم فيها فهم لم يعودوا يبحثون عن الكثرة بل عن الصدق ولم يعودوا يفتشون عن الإعجاب بل عن الراحة ولم يعودوا يقيسون قيمتهم بعدد الذين حولهم بل بسلامهم الداخلي الذي لم يعد يقبل المزاح هؤلاء حين يعودون لأنفسهم يعودون بشكل أقوى يعودون بثقة أكبر يعودون بوعي يجعلهم يمشون بخطوات ثابتة دون أن يلتفتوا لما خذلهم ودون أن ينتظروا اعتذارا لم يصل ودون أن يحملوا أوزارا لم تعد تخصهم فالذين يتغيرون دون أن يلاحظهم أحد هم الذين فهموا الحياة فهموا أنها لا تمنح أحدا كل شيء لكنها تمنح كل إنسان فرصة ليصنع نفسه من جديد ليولد مرة أخرى دون أن يضطر لتغيير العالم يكفي أن يغير نظرته يكفي أن يبدأ من داخله يكفي أن يقرر أن الرحلة تستحق



