مقالات

حين نتعلم أن نختار أنفسنا أخيرا

بقلم/ناني عادل

حين نتعلم أن نختار أنفسنا أخيرا

بقلم/ناني عادل

في مرحلة ما من العمر يكتشف الإنسان أنه قضى سنوات طويلة يحاول أن يكون مناسبًا للجميع يحاول أن لا يزعج أحدًا أن لا يرفض شيئًا أن لا يترك انطباعًا سيئًا أن لا يخسر وجوهًا لم تكن أصلًا جزءًا من روحه ومع هذا السعي الدائم يفقد نفسه دون أن يشعر كأنه يذوب في رغبات الآخرين ويبتعد قليلًا قليلًا عن الطريق الذي كان عليه أن يسير فيه منذ البداية
ثم تأتي لحظة لا يعلنها الزمن لكنها تبدل كل شيء لحظة يضيق فيها الصدر رغم هدوء اليوم يتعب فيها القلب رغم بساطة ما يحدث يشبه الأمر صحوة داخلية تذكّر الإنسان بأن وجوده ليس خدمة مستمرة للآخرين ولا محاولة لملء الفراغات التي تركوها بل هو حق أصيل في أن يعيش كما يريد لا كما ينتظر منه العالم
وفي هذه اللحظة يبدأ الإنسان لأول مرة في التفكير بمعنى أن يختار نفسه يختار راحته قبل رضا الآخرين يختار صمته قبل شرح طويل لا يُقدّر يختار البعد قبل علاقة تستنزفه ويختار البقاء مع ذاته بدل السير خلف من لا يرى قيمته ويدرك فجأة أن التضحية ليست بطولة إذا كانت تقتله ببطء وأن العطاء يتحول إلى استنزاف عندما يكون من طرف واحد
ومع هذا الإدراك تتغير أشياء كثيرة دون أن يخطط لها الإنسان يبدأ يشعر بخفة غريبة كأنه يخلع حملًا أثقل قلبه لسنوات يبدأ يسمع صوته الداخلي الذي كان يخفت في الزحام يبدأ يميز بين ما يُقال وما يُقصد وبين من يحب حضوره ومن يحب فائدته وبين علاقة تُنقذه وأخرى تسرق منه نفسه
ويتعلم الإنسان مع الوقت أن اختياره لنفسه ليس أنانية كما يظن البعض بل هو احترام لروحه وكرامته وحدوده وأن خسارة بعض الأشخاص ليست خسارة بل مساحة تُفسح الطريق لقيمته الحقيقية وأن الابتعاد ليس عقابًا بل شفاء وأن حماية القلب ليست ضعفًا بل أعلى درجات القوة
وفي النهاية يصل الإنسان إلى نقطة يفهم فيها أن الحياة قصيرة جدًا ليعيشها كما يريد الآخرون طويلة جدًا إذا عاشها ضد ما يشعر به متعبة إذا حمل فيها ما لا يخصه ومشرقة فقط حين يضع نفسه في مكانها الصحيح حين يختار ذاته دون خوف دون تردد دون اعتذار لأن هذا الاختيار هو الوحيد الذي يصنع حياة تشبهه حقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *