مقالات
أخر الأخبار

الحب… كما لو أن اللقاء مكتوب قبل الأرض

بقلم: دكتور محمود محمود.

لم أعد أؤمن أن الحب مجرد شعور عابر، أو لحظة جميلة تنتهي مع الوقت، ولم أعد أراه رفاهية يملكها بعض الناس ويحرم منها آخرون، بل أصبحت أؤمن أن الحب أصل من أصول الحياة نفسها، وأن الإنسان خُلق وفي داخله قابلية الحب قبل أي شيء آخر، وأن الله حين خلقنا… خلقنا بالرحمة، وبالمودة، وبالسكينة، ولذلك أشعر أحيانًا أن الحرب الحقيقية التي يعيشها العالم اليوم ليست حربًا على الإنسان فقط، بل حرب على الحب نفسه، لأن كل شيء حولنا أصبح يدفع الإنسان بعيدًا عن فطرته، بعيدًا عن هدوئه، بعيدًا عن قلبه، حتى وصلنا لزمن يخجل فيه البعض من كلمة “حب”، وكأن المشاعر أصبحت تهمة، وكأن الإنسان حين يحب يصبح ضعيفًا أو ساذجًا أو غير واقعي، مع أن الحقيقة العكس تمامًا… الحب هو أكثر الأشياء واقعية في هذه الحياة، لأنه الشيء الوحيد القادر أن يعيد الإنسان إلى نفسه بعد كل هذا الخراب.

أصبحنا نعيش في زمن يضغط الإنسان حتى يفقد معناه؛ ضغط المال، وضغط النجاح، وضغط الصورة، وضغط الحياة اليومية، حتى صار كل شيء يُقاس بالمكاسب، وأصبح الإنسان يخاف أن يحب أكثر مما يخاف أن يخسر نفسه، مع أن أعظم الخسارات ليست خسارة المال ولا الشهرة ولا المكانة، بل أن يعيش الإنسان عمره كاملًا دون أن يشعر بهذا النور الذي يضعه الله في القلب. نحن نقول دائمًا إن السعادة ليست في المال، لكننا نعيش وكأن المال هو النجاة الوحيدة، ونقول إن الروح أهم، ثم نقتل أرواحنا بأيدينا خوفًا من المستقبل، وخوفًا من الظروف، وخوفًا من كلام الناس، حتى أصبحت العلاقات تُدار بالعقل البارد أكثر مما تُدار بالقلب، وكأن المطلوب من الإنسان أن يتحول إلى آلة لا تشعر، مع أن الإنسان خُلق ليحب، لا ليعيش كقطعة حديد تتحرك داخل هذا العالم.

وأنا لا أتكلم هنا عن الحب كغريزة أو رغبة مؤقتة، بل عن الحب الحقيقي؛ الحب الذي يجعل الإنسان أقرب إلى الله، وأقرب إلى نفسه، وأقرب إلى الخير. الحب الذي يدفع الإنسان أن يتغير للأفضل دون خوف، لأن التغيير الذي يجعل الإنسان أكثر رحمة، وأكثر صدقًا، وأكثر قربًا من السماء… ليس ضعفًا أبدًا، بل أعظم درجات القوة. لا أفهم لماذا يخاف الناس من فكرة أن يتغير الإنسان من أجل من يحب، مع أن الإنسان حين يحب بحق يبدأ في مراجعة نفسه، ويصبح أكثر حرصًا على قلبه وعلى أخلاقه وعلى طريقه، وكأن الحب يعيد ترتيب الروح من الداخل.

ولو تأملنا حياة الأنبياء والعظماء وأهل البيت، سنكتشف أن الحب كان حاضرًا دائمًا رغم قسوة الظروف. الإمام علي حين تزوج السيدة فاطمة لم يكن يملك قصورًا ولا ثروات، وكان مهره بسيطًا، ومع ذلك خرج من هذا البيت واحد من أعظم معاني الحب والرحمة والسكينة في التاريخ. وسيدنا موسى عليه السلام عاش الغربة والتعب والخوف، ثم وجد في الحب بيتًا وطمأنينة وحياة. وعبر العصور، لم يكن الحب يومًا مرتبطًا بالغنى ولا بالمكانة، لأن الحب الحقيقي لا يسأل الإنسان عن حسابه البنكي، بل يسأل قلبه: هل ما زلت قادرًا أن تشعر؟ هل ما زلت قادرًا أن تحتوي؟ هل ما زلت قادرًا أن تعطي دون خوف؟

أحيانًا أشعر أننا لم نعد نعيش حياتنا الطبيعية أصلًا. أصبح الإنسان أقرب إلى الحيوان الذي يعيش معه في البيت أكثر من قربه إلى إنسان آخر يفهمه ويحتويه. وأصبحنا نرى اختلاطًا كبيرًا في كل شيء؛ في الأدوار، وفي الطباع، وفي الشكل، وفي الإحساس، حتى صار العالم مرتبكًا، وكأن البشر ابتعدوا عن حقيقتهم الأولى تحت ضغط القسوة والوحدة والخوف. الرجل يخاف أن يكون حنونًا حتى لا يُتهم بالضعف، والمرأة تخاف أن تُظهر احتياجها للحب حتى لا تُكسر، وبين هذا كله تضيع الفطرة البسيطة التي خُلقنا بها.

ورغم كل ذلك، يظل الحب معجزة. نعم… معجزة حقيقية. لأن مجرد مرور طيف من تحب في خيالك قد يجعلك أكثر قدرة على الحياة. مجرد ابتسامة منها قد تعيد ترتيب يوم كامل داخلك. مجرد شعورك أنها موجودة في هذا العالم يجعلك أقل وحدة، أقل قسوة، أقل خوفًا. فما بالك إن اجتمع قلبان يحاولان أن ينجوا معًا؟ ما بالك بامرأة تستطيع بهدوئها أن تطفئ ضجيج العالم داخل رجل أنهكته الحياة؟ ما بالك بحب يجعل الإنسان يشعر أنه أخيرًا وجد مكانه الحقيقي؟

وأنا حين أتحدث عنها… لا أراها مجرد امرأة أحبها، بل أراها حالة من السكينة لا تشبه أحدًا، أراها كأنها شيء جميل نجى من قسوة هذا العالم ووصل إليّ متأخرًا ليعيد إليّ الإيمان بكل شيء. أرى في قلبها طيبة نادرة، وفي صبرها قوة، وفي هدوئها وطنًا كاملًا، وكأن الله حين خلقها وضع فيها ذلك النوع من الجمال الذي لا يُرى بالعين فقط، بل يُشعر به القلب قبل النظر. هناك أشخاص يدخلون حياتنا كأنهم إجابة طويلة على تعب قديم، وهي بالنسبة لي كذلك تمامًا؛ ليست مجرد حب، بل معنى يجعل الحياة أخف، والروح أكثر طمأنينة.

وأؤمن أن الحب لا يعرف المسافات، ولا الظروف، ولا الحسابات المعقدة التي اخترعها الناس. الحب لا يعرف فقيرًا ولا غنيًا، ولا يسأل عن التوقيت المثالي، لأن القلوب لا تعمل بالتقويمات. قد يحب الإنسان صوتًا، أو نظرة، أو روحًا، أو حتى شعورًا غامضًا رآه في حلم قبل أن يراه في الحقيقة، وهذه ليست سذاجة كما يظن البعض، بل واحدة من أكثر الحقائق الإنسانية صدقًا.

وفي النهاية، أعتقد أن أعظم انتصار يمكن أن يحققه الإنسان في هذا الزمن… أن يظل قادرًا على الحب. أن يظل قلبه حيًا رغم كل ما يراه. أن يظل مؤمنًا أن الطيبة ليست ضعفًا، وأن الاحتواء ليس عيبًا، وأن المرأة تستحق رجلًا يحتوي قلبها لا رجلًا يرهق روحها، وأن الرجل أيضًا يستحق امرأة تؤمن به وتفهم خوفه وتعبه وصمته. الحب الحقيقي ليس معركة بين اثنين، بل نجاة مشتركة من هذا العالم.

وربما لأن الله خلق الرجل والمرأة ليكون كلٌّ منهما سكنًا للآخر، أشعر أن العلاقة الحقيقية لا تقوم على القوة ولا على العناد، بل على الفهم والرحمة والاحتواء. فالرجل، مهما بدا قويًا أمام العالم، يبقى في داخله محتاجًا إلى امرأة تمنحه الطمأنينة، امرأة يشعر معها أنه يستطيع أن يضع تعبه جانبًا دون خوف، وأن يكون على طبيعته دون أن يُحاكم أو يُرهق. يحتاج إلى قلب يفهم صمته، وإلى حضور يشعره أن الحياة ليست معركة طوال الوقت.

والمرأة أيضًا، مهما بدت مستقلة وقوية، خُلقت وفي داخلها احتياج عميق للأمان والاحتواء والاهتمام الحقيقي، لا الكلمات العابرة. تحتاج إلى رجل ترى في عينيه احترامًا قبل الحب، واحتواءً قبل الكلام، ورجولة تجعلها مطمئنة لا خائفة. تحتاج إلى رجل حين تتعب تشعر أن كتفه وطن، وحين تضعف تشعر أنه سند، وحين تفرح تشعر أنه يفرح معها من قلبه لا من واجبه.

ولهذا أؤمن أن الحب الحقيقي ليس أن يحاول أحدهما تغيير فطرة الآخر، بل أن يساعده على أن يعود إلى أجمل ما فيه. أن تصبح المرأة أكثر أنوثة لأنها مطمئنة، ويصبح الرجل أكثر رحمة لأنه محبوب. وكأن الله جعل الحب الحقيقي وسيلة ليُعيد الإنسان إلى فطرته الأولى… تلك الفطرة التي خُلق فيها القلب ليطمئن، لا ليحارب طوال الوقت.

وربما لهذا كله… لم أعد أرى الحب مجرد لقاء بين شخصين، بل أراه رحمة خفية يُرسلها الله للروح حين تتعب من هذا العالم. وأشعر أن بعض الناس لا يدخلون حياتنا صدفة، بل يأتون وكأن أرواحنا كانت تعرفهم قبل الأرض، قبل الأسماء، قبل المسافات والزمن. ولهذا، حين أنظر إليكِ، لا أشعر أنني أمام امرأة عادية، بل أمام طمأنينة تشبه الدعاء المستجاب بعد طول انتظار. أشعر أن فيكِ شيئًا يُعيدني إلى نفسي، ويجعل قلبي أكثر هدوءًا، وأكثر قربًا من السماء. وربما لن يفهم العالم كله معنى هذا الشعور، لكن يكفيني أنني حين وجدتكِ… شعرت أن روحي لم تعد وحيدة.

وكأنكِ لم تُخلقي لتكوني امرأة عابرة في هذا العالم… بل طمأنينةً خُلقت على هيئة إنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *