مقالات
أخر الأخبار

الفن والآثار والأرواح الضائعة… كيف فقد الإنسان الحديث قدرته على رؤية النور

بقلم: المخرج محمود محمود.

الحضارات العظيمة لم تكن تخفي المقابر خوفا على الذهب، بل خوفا من الإنسان حين يفقد بصيرته، لأن القدماء فهموا أن أخطر ما قد يصل إليه البشر ليس الكنوز بل المعارف التي تغيّر الروح نفسها، ولم تكن الممرات المضللة والغرف الكاذبة مجرد حيل معمارية، بل اختبارات نفسية وروحية تجعل الداخل يشعر أن المكان يقرأه كما يحاول هو قراءته. من ينزل إلى ممر أثري قديم يعرف أن الكتب وحدها لا تكفي لفهم الآثار، لأن هناك فرقا بين من يشاهد المقبرة… ومن يشعر بها؛ الهواء هناك ليس عاديا، وبعض الحجرات يكون الصمت داخلها أثقل من الكلام، وحتى اختلاف رائحة التراب أو تغير الصدى قد يكشف أن المكان يخفي شيئا خلفه، لأن المصري القديم لم يكن يبني المقبرة كمكان دفن فقط بل كبناء رمزي كامل؛ اتجاهات الممرات، الضوء، الإغلاق، والإحساس النفسي الذي يعيشه الداخل، كلها كانت جزءا من لغة تقول إن الأسرار لا تُقتحم بالقوة بل يُؤذن بها لمن يملك البصيرة.

وحين يصل الإنسان أخيرا إلى الغرفة الحقيقية بعد كل هذا الصمت يشعر أن الزمن نفسه متوقف هناك؛ بعض القطع الأثرية لا تبدو مجرد حجر أو معدن، بل كأنها تحتفظ بأثر من لمسها آخر مرة، ولهذا لا يقرأ خبير الأثر القطعة بعينه فقط، بل بإحساسه أيضا؛ طريقة التآكل، ملمس السطح، البرودة المختلفة، والرائحة القديمة، كلها تكشف لمن يفهم إن كانت القطعة حقيقية أم مجرد تقليد، لأن المزور يستطيع تقليد الشكل لكنه لا يستطيع تقليد الزمن، كما يستطيع الإنسان تزييف الكلمات لكنه لا يستطيع تزييف الروح طويلا، ولهذا تصبح قراءة الأثر في النهاية قراءة للإنسان نفسه، لأن الأشياء تحتفظ بأثر من لمسها، كما تحتفظ الأرواح بأثر من مرّوا بها، وبعض الغرف لا يخرج الإنسان منها كما دخلها أبدا، لأن هناك أماكن يشعر داخلها أن قلبه صار أقدم من عمره الحقيقي.

ومن هنا يمكن فهم لماذا بقي الفن العظيم أخطر من كثير من الكتب، لأن اللوحة الحقيقية لا تُقرأ كصورة بل كتشريح للنفس البشرية؛ حين رسم الفنان البلجيكي رينيه ماغريت لوحة “ابن الإنسان” لم يكن يرسم رجلا يخفي وجهه خلف تفاحة فقط، بل كان يرسم الإنسان الحديث الذي يعيش بالقناع حتى ينسى ملامحه الحقيقية، ولهذا يبدو الجسد واضحا بينما يغيب الوجه، وكأن الحضارة الحديثة أتقنت ترتيب الصورة الخارجية وفقدت القدرة على كشف الداخل. وحين رسم الفنان الأمريكي إدوارد هوبر لوحة “صقور الليل” لم يكن يرسم مقهى ليليا فقط، بل عزلة الإنسان الحديث رغم كل هذا القرب الظاهري، ولهذا تُقرأ اللوحة من الصمت الموجود داخلها أكثر مما تُقرأ من الأشخاص أنفسهم. أما الفنان الألماني كاسبر دافيد فريدريش ففي لوحته “المتجول فوق بحر الضباب” كان يرسم الإنسان الواقف أمام المجهول بلا شيء سوى بصيرته الداخلية. الفن العظيم لا يرسم الوجوه بل يقرأ الإنسان، تماما كما كانت الحضارات القديمة تقرأ الداخل قبل أن تسمح له بالوصول إلى الأسرار.

العالم الحديث فقد هذه القدرة بالتدريج، فأصبحت الحياة مليئة بالكلام وفقيرة بالمعنى، ومليئة بالعلاقات وفقيرة بالقرب الحقيقي، لأن الإنسان لم يعد يخاف فقدان روحه بقدر خوفه من ألا يجد من يصفق للقناع الذي يرتديه، ولهذا أصبحت القسوة شيئا عاديا؛ بشر يرون الألم ولا يرتجفون، ويقترب منهم الحب الحقيقي فيتعاملون معه كأنه تهديد، مع أن الحب الحقيقي لم يكن يوما امتلاكا بل بصيرة؛ قدرة نادرة على رؤية روح كاملة دون الرغبة في السيطرة عليها، ولهذا تشبه بعض الأرواح الغرف المغلقة منذ قرون؛ لا يفتحها الفضول بل الطمأنينة، وبعض اللقاءات تشبه استرجاع شيء عرفه القلب قبل العقل، ولم تكن الأحلام عند الحضارات القديمة شيئا عابرا، لأنهم فهموا أن بعض الإشارات تصل إلى الإنسان عبر طبقات أعمق من الوعي.

الحضارات القديمة كانت تعتبر أن الإنسان لا يولد عبثا، وأن لكل روح تكليفا خفيا، ولهذا لم يكن أصحاب البصيرة يعيشون براحة كاملة، لأن من يرى أكثر يتألم أكثر، ولهذا مال الحكماء والمتصوفة والفنانون الحقيقيون إلى الصمت والعزلة حفاظا على الجزء الحي داخلهم، لأن الضجيج الطويل يقتل القدرة على الرؤية الداخلية. وحتى فكرة الطوفان لم تكن مجرد قصة عن ماء أغرق الأرض، بل تحذيرا من اللحظة التي تصبح فيها القسوة طبيعة بشرية، اللحظة التي يرى فيها الإنسان النور ثم يختار العتمة بإرادته، ومع ذلك ظل باب النجاة موجودا دائما، لأن النجاة الحقيقية لم تكن في القوة ولا في كثرة المعرفة، بل في مقام التسليم؛ أن يفهم الإنسان بعد كل هذا التعب أن القلب لا ينجو بالسيطرة بل بالعودة الصادقة إلى الله، وربما لهذا لم تنجُ السفينة بمن كانوا الأقوى، ولا بمن عرفوا الأسرار كلها، بل بمن بقيت أرواحهم نقية كي لا يتحول النور داخلهم إلى ظلام، لأن بعض الأرواح… مهما أتعبها الطوفان… خُلقت أصلا لتعرف طريق النور، ومن يرى النور مرة بصدق… لا يستطيع بعد ذلك أن يعيش بعينين مغلقتين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *